أقدم القوانين في التاريخ خرجت من بلاد الرافدين.. ماذا تعرف عن شريعة حمورابي؟

4

في القرون القديمة، ما قبل الميلاد، كان هناك ملكٌ بابليّ (عراقي) استطاع توسيع حكم أجداده، وحكم طيلة 42 عاماً، وفي نهاية حكمه أصدر قانوناً عُرف من حينها وحتى الآن باسمة: شريعة حمورابي.

اعتبرها البعض أوّل قوانين مكتوبة في التاريخ واختلف معهم البعض، لكنّ الذي لا تختلف أي من الدراسات عليه هو أنّها أحد أقدم القوانين المكتوبة في التاريخ، بل وأكثرها اكتمالاً.

حمورابي.. أعظم حكّام بابل القدماء

حمورابي هو الملك السادس في الأسرة البابلية الحاكمة، التي حكمت وسيطرت على وسط بلاد الرافدين (العراق) طيلة ثلاثة قرون، منذ عام 1894 وحتى عام 1595 قبل الميلاد.

تنحدر عائلة حمورابي الحاكمة بالأساس من قبائل العموريين. وهي قبائل شبه بدوية من غرب سوريا، وقد بدأوا منذ القرن الثالث قبل الميلادي بالانتشار في بلاد ما بين النهرين، وكذلك بلاد الشام، وقد اعتبرهم سكّان الحواضر في بلاد العراق والشام القديم خطراً عليهم، وأقاموا أسواراً دفاعية ليحموا بلادهم منهم. 

شريعة حمورابي
تجسيد لحمورابي أعلى مسلّة شريعة حمورابي/ويكميديا

وربما بسبب هذه الخلفية التاريخية لأسرته، يعكس اسمه مزيجاً من الثقافات، إذ تعني حمو في اللغة العمورية “عائلة”، بينما تعني كلمة رابي “عظيم” في اللغة الأكدية التي كانت اللغة اليومية في بابل.

حكم حمورابي من عام 1792 وحتى 1750 ق.م، وفي السنة الثلاثين من حكمه، بدأ في توسيع مملكته جنوب وادي نهري دجلة والفرات، وأطاح بممالك آشور ولارسا وإشنونة وماري، حتى أصبحت كافَّة بلاد الرافدين تحت سيطرته المطلقة، وامتدّ حكمه ليصل حتّى سواحل البحر المتوسط في بلاد الشام.

جمع حمورابي بين تقدُّمه العسكري والسياسي معاً وبين مشاريع الريّ وبناء التحصينات والمعابد التي تحتفي بإله بابل الحامي: مردوخ. 

دُفِنَت بابل التي طوّرها حمورابي الآن تحت منسوب المياه الجوفية الضخم في المنطقة، بينما تحلّلت أيّ أرشيفات احتفظ بها منذ زمنٍ بعيد، لكنّ الألواح الطينية التي اكتُشِفَت في المواقع الأثرية القديمة الأخرى تكشف لمحاتٍ من شخصية هذا الملك وفنونه في الحكم.

وبعدما توسّع حمورابي بدولته ليقضي على الممالك المجاورة ويستحوذ عليها واحدةً تلو الأخرى، أنتج أحد أبرز واقدم القوانين في التاريخ البشري، المعروفة بشريعة حمورابي.

تضمّ قوانين حمورابي تلك 282 قانوناً في كافّة جوانب الحياة، السياسية والاجتماعية والعسكرية، بل وضعت معايير التفاعلات التجارية وفرضت الغرامات والعقوبات لتلبية متطلبات العدالة.

وحُفِرَت شريعة حمورابي على مسلة ضخمة من الحجر الأسود على شكل إصبع، قبل أن ينهبها الغزاة لاحقاً ويُعاد اكتشافها في النهاية عام 1901.

ما هي شريعة حمورابي؟

حُفِرَت مسلة الحجر الأسود التي تحتوي على شريعة حمورابي من لوحٍ واحد يبلغ وزنه أربعة أطنان من الديوريت، وهو حجرٌ متين، لكنَّ نحته صعبٌ للغاية.

وفي قِمَّتِهِ يُوجد نقشٌ بارز بارتفاع قدمين ونصف القدم لحمورابي واقفاً يتسلّم القانون -الذي رُمِزَ إليه بصولجان وشريط- من إله العدل البابلي الجالس: شماش. وما تبقى من سبعة أقدام وخمس بوصات مُغطى بصفوف من النصوص المسمارية المحفورة.

والنص الذي جُمِعَ في نهاية عهد حمورابي ليس إعلاناً للمبادئ بقدر ما هو تجميعٌ للسوابق القانونية، وسط الجمل النثرية التي تحتفي بحُكم حمورابي العادل والتقي. وتُقدّم شريعة حمورابي عدداً من أقدم الأمثلة على عقيدة “العين بالعين”، أو قوانين القصاص.

حمورابي
نص من شريعة حمورابين / IStock

تشتمل شريعة حمورابي على العديد من العقوبات القاسية، التي تتطلّب أحياناً قطع لسان أو يد أو صدر أو عين أو أذن الطرف الجاني، ولكنّها تُقدّم أيضاً أقدم الأمثلة على اعتبار المتهم بريئاً حتى تثبت إدانته.

وكُتِبَت جميع المراسيم الـ282 بصيغة “إذا حدث… فإنّ”. وعلى سبيل المثال: إذا سرق رجلٌ ثوراً فإنّ عليه أن يرد قيمته 30 ضعفاً، وتتراوح المراسيم بين قوانين الأسرة والعقود المهنية والقانون الإداري، وغالباً ما تفرض معاييرَ مختلفة للعدالة على الطبقات الثلاث في المجتمع البابلي: الطبقة الملكية، والمعتقين، والعبيد.

إذ كان أجر الطبيب لعلاج جرحٍ شديد 10 دولارات مثلاً للرجل العادي، وخمسة دولارات للرجل المعتوق، ودولارين فقط للعبد، وسارت عقوبات سوء السلوك على النهج ذاته: فالطبيب الذي يقتل مريضاً ثرياً تُقطع يده، بينما يُلزم بالتعويض المالي فقط في حال كان الضحية من العبيد.

إعادة اكتشاف مسلة حمورابي

في عام 1901، قاد مهندس التعدين الفرنسي جاك دي مورغان حملةً أثرية إلى بلاد فارس للتنقيب في عاصمة العيلاميين سوسة (شوشان)، على بُعد نحو 400 كيلومتر من وسط مملكة حمورابي.

وهناك اكتشفوا مسلة حمورابي مكسورةً إلى ثلاث قطع، والتي كانت قد جُلِبَت إلى سوسة ضمن غنائم الحرب، بواسطة الملك العيلامي شوتروك ناخونته، على الأرجح في منتصف القرن الـ12 قبل الميلاد، أي بعد 5 قرون من إصدار شريعة حمورابي.

وجرت تعبئة المسلة وشُحِنَت إلى متحف اللوفر في باريس، قبل ترجمتها في غضون عامٍ ونشرها على نطاقٍ واسع باعتبارها أقدم الأمثلة على شريعةٍ قانونية مكتوبة، سبقت تلك القوانين المذكورة في العهد القديم العِبرِي، وإن كانت تحمل أوجه تشابه كبيرة معه.

وتحمل المحكمة العليا الأمريكية نقش حمورابي على الرخام، موضوعاً بين المشرِّعين التاريخيين الذين يصطفون على الحائط الجنوبي لقاعة المحكمة.

ورغم أنّ قوانين بلاد الرافدين المكتوبة الأخرى التي اكتُشِفَت لاحقاً، ومن بينها قوانين “ليبيط عشتار” و”أور نمو” السومرية تسبق قوانين شريعة حمورابي بمئات السنين، فإن سمعة حمورابي لا تزال قائمةً بوصفه المشرِّع الرائد الذي عمل على حدّ تعبير نصبه التذكاري “لمنع الأقوياء من قمع الضعفاء، ولتحقيق العدالة للأرامل والأيتام”.

بعض تفاصيل العقوبات في شريعة حمورابي

لنا أن نتخيّل شريعةً من أوائل الشرائع الإنسانية، بالطبع ستكون شديدة القسوة والصرامة مقارنةً بما وصلت إليه الإنسانية الآن من قوانين ونظم دستورية، لكن بين هذه الصرامة سنجد العديد من مواطن العدالة.

ويجب أن نوضِّح أيضاً أنَّ قوانين حمورابي ظلّت مسيطرةً على القوانين في منطقة الرافدين لفترةٍ طويلة. فقد وجد علماء نسخاً من شريعته مكتوبة على ألواح نسخت في القرن الخامس ق.م، أي بعد أكثر من ألف عام من وفاته، وقد تكون مصدراً أساسياً لشرائع أخرى طوّرتها بعض دول وممالك بلاد العراق القديم.

في شريعة حمورابي هناك 19 بنداً عقوبتها القتل المباشر، وهذه بعض الجرائم التي توجب قتل مرتكبها مباشرةً: فمثلاً إذا لَعن رجلٌ رجلاً آخر دون مبرر فإنّ اللاعن يقتل، كما أنّ من يسرق مالاً خاصاً بأحد الآلهة وجب قتله، بل ويُقتل كذلك من قَبِل شراء هذه المسروقات أو تداولها.

كما أنّ بعض الجرائم عقوبتها هي القتل ذبحاً، كما أنّ هناك بنوداً عقوبتها القتل غرقاً، وكذلك هناك جرائم عقوبتها القتل حرقاً. وهناك بندٌ وحيد عقوبته قطع ثدي المرأة، كما أنّ هناك عقوبات بقطع الأذن أو اليد. وبشكلٍ عام يمكن اعتبار أنّ شريعة حمورابي تعتمد مبدأ القصاص، بشكلٍ أو بآخر.

فمثلاً، إذا عالج الطبيب مريضاً ومات المريض عن طريق القتل، تقطع يد الطبيب على الفور. كما تبنّت تلك الشريعة -كعادة الشرائع القديمة كلها تقريباً- عقوبة القتل لكلّ عبدٍ حاول الهروب من سيده، وكذلك قتل كلّ من يساعده أو يؤويه خلال هروبه من سيده.

كما أنّ شريعة حمورابي قد تضمّنت عدّة قوانين تتعلّق بالمرأة ووضعها في المجتمع، لكنّ الغريب أنّ في شريعة حمورابي يمكن للرجل أن يستخدم امرأته ليسدَّ بها ديونه، ويبدو أنّ هذا الأمر كان متصالحاً عليه في العالم القديم، لكن يمكن للمرأة أن تشترط على زوجها قبل الزواج عدم فعل ذلك. كما أنّ المرأة التي تهمل زوجها يمكن أن يكون عقابها أن ترمى في النهر!

كذلك فإنّ شريعة حمورابي لديها وجهٌ آخر، وهو تكريسٌ لسلطة هذا الملك المهيمن على كلّ شيء في بلاد العراق القديمة.

اعتقد حمورابي أنّه مرسلٌ من الآلهة ليسنّ هذه القوانين، ومن ضمن القوانين العسكرية التي من شأنها أن تحافظ على سلطته المطلقة، أنّه إذا أُمِرَ أيّ جندي بالخروج للحرب في سبيل الملك يكون عقابه القتل المباشر. كما أنّ الجندي الذي يستأجر رجلاً ليخوض الحرب بديلاً عنه يُقتل مباشرةً، كما أنّ قائد الجيش الذي يقبل رجلاً مستأجراً بديلاً عن الجندي الحقيقي يقتل أيضاً.

Comments are closed.