“إسرائيل الكبرى”.. هل تحول أمريكا الهند إلى تابع لها في مواجهة الصين؟

3

“إسرائيل الكبرى”.. يبدو أن هذا سيصبح حال الهند بعد توقيع الاتفاق العسكري الأمريكي الهندي، ضمن سلسلة من الاتفاقات تتيح إحداها لنيودلهي الحصول على معلومات مباشرة من الجيش الأمريكي.

ووقَّعت الهند والولايات المتحدة خلال هذا الأسبوع خمس اتفاقيات، بما في ذلك اتفاقية التبادل والتعاون الأساسية (BECA)، التي ستتيح للهند الوصول إلى المعلومات المهمة لدى الجيش الأمريكي في أي صراع عسكري محتمل، كما قال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إن البلدين يعملان على تعزيز التعاون لمواجهة أي تهديد من الصين.

كما عرضت الولايات المتحدة على الهند طائرات إف 18 سوبر هورنيت، المستخدمة في البحرية الأمريكية، لتلبية احتياجات البحرية الهندية في الحصول على طائرة تنطلق من حاملة طائرات، إضافة إلى طائرات مسيّرة بحرية من نوع Sea Guardian.

وفيما بدا أنه تدشين لتحالف رسمي معلن ضد الصين، قال بومبيو “يسعدني أن أقول إن الولايات المتحدة والهند تتخذان خطوات للتعاون ضد جميع أشكال التهديدات، وليس فقط تلك التي يمثلها الحزب الشيوعي الصيني. يرى زعماؤنا ومواطنونا بوضوح متزايد أن الحزب الشيوعي الصيني ليس صديقاً للديمقراطية وسيادة القانون والشفافية وحرية الملاحة، التي هي أساس منطقة المحيطين الهندي والهادئ”.

جاء ذلك في مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الدفاع الهندي راجناث سينغ، ووزير الشؤون الخارجية إس جايشانكار، ووزير الدفاع الأمريكي مارك تي إسبر، في نهاية الحوار الوزاري الهندي الأمريكي الثالث “2+2”.

وقال بومبيو إنه وإسبر زارا أيضاً النصب التذكاري الوطني للحرب في نيودلهي، لتكريم رجال ونساء القوات المسلحة الهندية، بما في ذلك 20 جندياً قُتلوا على يد القوات الصينية في وادي جالوان في شرق لاداخ، في 15 يونيو/حزيران. 

وقال وزير الدفاع الأمريكي إن الشراكة بين الولايات المتحدة والهند أكثر أهمية من أي وقت مضى للأمن والاستقرار الإقليميين. وأضاف: “إننا نقف جنباً إلى جنب لدعم حرية الهند والمحيط الهادئ المفتوحة للجميع، لاسيما في ضوء تزايُد العدوان والأنشطة المزعزعة للاستقرار من قبل الصين”.

وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، ووزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر مع وزير الخارجية الهندي سوبراهمانيام جايشانكار ووزير الدفاع راجناث سينغ/رويترز

 وقال وزير الخارجية الأمريكي في مقابلة مع وسائل الإعلام الهندية، إن الاتفاقات بين الولايات المتحدة والهند تؤكد على فهم أن هناك “معركة” بين الحرية والاستبداد.

وأضاف بومبيو: “لذلك عندما تواجه طغيان الحزب الشيوعي الصيني يمكنك التأكد من أن الولايات المتحدة ستقف إلى جانب شركائها”.

 وأثارت التعليقات الأمريكية رد فعل غاضباً من بكين.

 وقالت السفارة الصينية في الهند في بيان، إن “بومبيو ومسؤولاً كبيراً آخر كرَّرا أكاذيب قديمة، وهاجما الصين، واتهماها، وانتهكا أعراف العلاقات الدولية والمبادئ الأساسية للدبلوماسية، وحرضا ضد علاقات الصين مع دول أخرى في المنطقة”.

تفاصيل الاتفاق العسكري الأمريكي الهندي

ولكن بعيداً عن خطب بومبيو العصماء فإن الاتفاق يمنح نيودلهي إمكانات كبيرة في مواجهة الصين.

صفقات سلاح محتملة 

تمهد اتفاقية BECA الطريق أمام الهند للحصول على طائرات بدون طيار مسلحة في المقام الأول وفي وقت لاحق، طائرات مقاتلة. لمّح إسبر إلى المناقشات حول هذا الموضوع عندما أعلن أن الولايات المتحدة تخطط لبيع المزيد من الطائرات المقاتلة والطائرات بدون طيار إلى الهند، ولم يخض في التفاصيل.

 تدرس الهند شراء طائرات بدون طيار من طراز Predator-B مسلحة على ارتفاعات متوسطة طويلة التحمل من الولايات المتحدة، بدلاً من الطائرات بدون طيار غير المسلحة التي خططت لها سابقاً. قال مسؤول هندي إن نيودلهي تلقت عروضاً في وقت سابق بشأن مقاتلات F-16 وF-18 الأمريكيتين، لكن الهند كانت تبحث عن مقاتلات Boeing F-15EX التي لم يتم الترخيص للشركة المصنعة للطائرات لبيعها في الخارج.

 قال مسؤول حكومي كبير مطلع على المناقشات لـHindustan Times: “هناك احتمال أن يتم بيع F-15EX على أساس نظام من حكومة إلى أخرى”. 

بيانات الأقمار الصناعية الأمريكية في أيدي الهنود

واتفاقية BECA هي الأخيرة من 4 اتفاقيات دفاعية تأسيسية بين البلدين. عادة ما توقع الولايات المتحدة مثل هذه الاتفاقيات مع حلفائها المقربين، والتي تسمح بتبادل المعلومات الحساسة والسرية.

كما وقعت البلدان على النسخة المخصصة للهند من اتفاقية COMCASA، وهي اتفاقية توافق الاتصالات والأمن وهي واحدة من الاتفاقيات التأسيسية الأربع التي توقعها الولايات المتحدة مع الحلفاء والشركاء المقربين لتسهيل التشغيل البيني بين الجيوش وبيع التكنولوجيا المتطورة.
وتسمح COMCASA للهند بشراء معدات نقل متخصصة للاتصالات المشفرة لمنصات عسكرية أمريكية المنشأ مثل طائرات C-17 و C-130 و P-8Is. حاليًا ، تستخدم هذه المنصات أنظمة الاتصالات المتاحة تجاريًا.

وقعت الولايات المتحدة والهند بالفعل ثلاث اتفاقيات سابقة لزيادة التعاون حول الخدمات اللوجستية والاتصالات العسكرية:

1- اتفاقية الأمن العام للمعلومات العسكرية لعام 2002.

2- مذكرة اتفاقية التبادل اللوجستي في عام 2016.

3- اتفاقية أمان وتوافق الاتصالات لعام 2018.

بموجب الاتفاق ستحصل الهند على بيانات الأقمار الصناعية الأمريكية التي يمكن أن تجعل الصواريخ العسكرية أكثر دقة.

إذ وفقاً لاتفاقية BECA، ستتمكّن الهند من الوصول إلى مجموعة من البيانات الطبوغرافية والبحرية والطيران، التي يُنظر إليها على أنها حيوية لاستهداف الصواريخ والطائرات المسلحة بدون طيار، حسبما ذكرت وكالة رويترز. 

ونقلت الوكالة عن مصدر دفاعي هندي أن ذلك سيسمح للولايات المتحدة أيضاً بتقديم مساعدات ملاحية وأنظمة إلكترونية متطورة للطيران على الطائرات التي زودتها الولايات المتحدة بالهند.

كما أنه من خلال التوقيع على اتفاق COMCASA، سيتم منح الهند معدات أمنية سرية مشفرة للغاية، ومن خلال التوقيع على BECA، ستشارك الولايات المتحدة نظام المعلومات الجغرافية العسكري (GIS)، الذي يشتمل على معلومات التضاريس والطقس لتخطيط المهمة. 

ستحصل الهند أيضاً على صور الأقمار الصناعية الأمريكية (بيانات وفيديو)، وقرارات عسكرية GPS، ومجموعات بيانات من أصول الولايات المتحدة المحمولة جواً.

 دافع الهند لهذا الاتفاق هو اختلال توازن القوى لصالح الصين يتفاقم، وبالنسبة للولايات المتحدة فإن الهند وكيل جيد يمكن إشغال بكين به.

تحتاج الهند إلى أمريكا لمواجهة تزايُد الفجوة العسكرية بين الجانبين. تتمتع الهند بقوة عسكرية كبيرة، وهي اليوم أفضل استعداداً بكثير مما كانت عليه في عام 1962، (آخر حرب بين البلدين)، وربما حتى قبل عقد من ذلك، خاصة فيما يتعلق بالبنية التحتية الحدودية. 

لكن الميزان العسكري بين البلدين يتحرك لصالح الصين بشكل أسرع بكثير.

في حين أن الجيش الهندي قد يمكنه الادعاء بأنه قد قدم أداء جيداً على طول خط السيطرة الفعلية (LAC)، فإن القيام بذلك سيصبح أكثر صعوبة بمرور الوقت. 

إذ تنفق الصين على جيشها ما يقرب من أربعة أضعاف ما تنفقه الهند على جيشها؛ في الواقع تنفق الصين أكثر من جميع القوى الكبرى الأخرى في آسيا مجتمعة.

 سيكون لهذا في النهاية تأثير على التوازن العسكري على الحدود، حيث تستثمر القوات الصينية في التكنولوجيا العالية بكميات أكبر. يمكن للمساعدات الاستخباراتية الأمريكية أن تعزز الجهود الهندية، وستكون المساعدة الدبلوماسية الأمريكية ضرورية لعرقلة الصين في المنتديات متعددة الأطراف كذلك. 

يتطلب هذا شراكة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، بغض النظر عمن هو في البيت الأبيض.

 الهدف الهندي الثاني هو ضمان ألا تحوّل الصين تفوقها الإقليمي إلى هيمنة. وببساطة الهيمنة الصينية هي حالة تختار فيها الدول الآسيوية الخضوع لتفضيلات الصين، لأنها ليس لديها خيارات أخرى معقولة. 

القوة الوحيدة التي يمكن أن تمنع الهيمنة الصينية على آسيا هي الولايات المتحدة.

ولكن هناك انتقادات كبيرة لهذه الاتفاقية 

إذ يرى البعض أنه من خلال التوقيع على اتفاقية التبادل والتعاون الأساسية (BECA)، من المحتمل أن تكون الهند قد رهنت القدرة العسكرية الرقمية لخدماتها الثلاث (الجيش والقوات الجوية والبحرية) للولايات المتحدة.

 ويقول البعض إن الهند قطعت أنفها لنكاية الصينيين من خلال التباهي بعلاقات استراتيجية غير مختبرة مع الولايات المتحدة، على أمل أن تساعد مجموعات بيانات الاستخبارات الجغرافية الأمريكية والصور في الوقت الحقيقي في دقة قوة نيران الهند بعيدة المدى، التي تتألف من صواريخ كروز المتعددة، إضافة إلى أنظمة الصواريخ، وربما نظام صواريخ الدفاع الجوي الروسي S-400 بمجرد انضمامها إلى المخزون الهندي.

سوف تزود الولايات المتحدة الهند بمجموعات من البيانات الأمريكية الضخمة ستأتي من أجهزة استشعار متنوعة إلى مراكز القيادة الهندية من خلال معدات COMCASA، لتستخدم في العمليات العسكرية مثل مهمات الطائرات المسلحة بدون طيار التي سيتم شراؤها من الولايات المتحدة، وكذلك منصات الأسلحة الأخرى.

 في ظاهر الأمر سيكون هذا رائعاً، لكن في أعماقها أوجدت الهند مساحة للولايات المتحدة لممارسة أنشطة مريبة على نطاق واسع على الجبهة الإلكترونية، عبر هذه الأنظمة. 

على سبيل المثال، يمكن أن تحتوي معدات الكومكاسا (COMCASA) الأمريكية على قنابل إلكترونية، وهي أكواد البرامج الضارة النانوية التي تبدأ في العمل عند استيفاء شروط معينة، أو يتم إعطاء تعليمات خارجية بعد شهور أو حتى سنوات من زرعها.

مثل هذه التقنيات تتيح للأمريكيين حذف ملفات مجموعات البيانات أو إفسادها، ما يؤدي إلى حدوث أعطال أو انحراف الصواريخ.

ومن خلال المسارين المزدوجين لمجموعات البيانات (الواردة في BECA)، والأنظمة (المقدمة بموجب COMCASA)، من المحتمل أن تكون سلاسل القتل المحلية في الهند (شبكات الاستشعار المتعلقة بتوجيه إطلاق النار من خلال مركز القيادة) تحت سيطرة الولايات المتحدة من خلال قدراتها السيبرانية الهائلة، ويعتقد أن هذا الوضع قد يمكن الولايات المتحدة في التحكم في الأسلحة الهندية.

 بعد توقيع هذه الاتفاقيات العسكرية “التأسيسية”، من المرجح الآن أن تنتقل التدريبات المشتركة بين الهند والولايات المتحدة إلى مناورات تشغيلية متقدمة من التدريبات التكتيكية حتى الآن. سيتم تقديم قوات الدفاع الهندية وتدريبها على مفاهيم الحرب الجديدة المتمحورة حول البيانات.

من المؤكد أن الاتفاق يمثل اختراقاً أمريكياً للأمن القومي الهندي، ولكنه في الوقت ذاته يوفر للهند منافع عسكرية كبيرة، رغم أن بعض الخبراء يثيرون الشكوك حول قدرة الجيش الهندي على الاستفادة من هذه التطورات في ظل ظروفه الحالية.

ولكن السؤال الأهم: هل تقف الولايات المتحدة مع الهند في حال تصاعُد الأمور مع الصين؟

Comments are closed.