اختاروا الهجرة عبر قنوات الصرف الصحي.. نهاية مأساوية لشبان مغاربة بحثوا عن “الفردوس الأوروبي”

3

“إذا توفيت قبل أمي فأخبروها أن أمنيتي قد تحققت”.. عبارة بعثها الشاب المغربي سفيان البراق المنحدر من مدينة القنيطرة إلى بعض أفراد عائلته قبل أيام من وفاته رفقة شاب آخر خنقاً أثناء محاولته الهجرة عبر قنوات الصرف الصحي من المغرب باتجاه إسبانيا.

توفي الشاب سفيان ورفيقه بطريقة تراجيدية، نهاية الأسبوع الماضي، وذلك أثناء محاولته التسلل مع تسعة آخرين إلى إسبانيا عن طريق مدينة بني أنصار، شمال شرقي المغرب إلى مدينة مليلية التي تخضع لحكم إسباني.

هجرة عبر قنوات الصرف الصحي

لم يكن يُدرك الشاب سفيان أن محاولته الهجرة عن طريق قنوات الصرف الصحي إلى إسبانيا ستكلفه حياته، ويترك والده وحده يصارع غلاء المعيشة وإعالة أسرته التي تضم طفلاً في وضعية إعاقة.

حصل الشاب سفيان على شهادة في مجال الفندقة، لكنه لم يُفلح في العثور على فرصة عمل في بلد يحفظ كرامته كغيره من آلاف الشباب المغاربة، فعقد الشاب العزم على مغادرة تراب الوطن، وأمل في العودة يوماً لانتشال والده وباقي أفراد عائلته من الفقر.

يسرد أبو الشاب سفيان البراق تفاصيل “الرحلة الحلم”، التي تحولت إلى كابوس قلب حياة الأسرة رأساً على عقب، وفي حديثه لا يُكرر سوى عبارة “ابني لقي الله شهيداً، وعاد إليه راضياً مرضياً”.

يقول أبو الشاب سفيان إن “ابنه عمل في القطاع غير المهيكل في مدينة الناظور، في انتظار فرصة سانحة للوصول إلى مدينة مليلية، وبعدها التوجه إلى إحدى المدن الإسبانية الأخرى أو إحدى الدول الأوروبية، بحثاً عن مستقبل أفضل، بعدما أغلقت بلده الأبواب في وجهه”.

لا يعترض الأب البراق على قضاء الله وقدره، ولكنه يعتبر أن انسداد الأفق وانتشار الفساد وغياب فرص العمل هي ما دفعت ابنه إلى خوض هذه المغامرة الخطيرة التي كلفته حياته، داعياً السلطات المغربية إلى إيجاد حلول ناجعة لتجنيب الشباب ويلات الهجرة، خاصة أن له ابناً آخر كان يفكر بدوره في مغادرة الوطن.

وبحسب عمر الناجي، رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالناظور، شمال المغرب، فهذه ليست المرة الأولى التي يلقى فيها مغاربة مصرعهم أثناء الهجرة عبر قنوات الصرف الصحي خلال محاولتهم الوصول إلى مدينة مليلية، فقد أحصت الجمعية وفاة 6 أشخاص خلال الأسابيع الأخيرة فقط.

وكشف الناجي في حديثه مع “عربي بوست” أن “قنوات الصرف الصحي التي يلجأ إليها الشباب لمحاولة الهجرة غير شرعية إلى الجارة إسبانيا، عرضها 40 سنتيمتراً فقط، وتكون مليئة بمياه الأمطار، ما يتسبب في اختناق هؤلاء الشباب ووفاتهم”.

وأضاف المتحدث أن “شاباً خرج من قناة للصرف الصحي، وطلب النجدة لرفقائه الذين علقوا داخل القناة، ولولا الألطاف وتدخل الوقاية المدنية لكانت حصيلة الوفيات ثقيلة”.

عائدون من الموت

بحسب المعطيات التي توفرت لـ”عربي بوست” فقد نجا من الموت المحقق 8 شبان كانوا برفقة الشاب سفيان البراق الذي وافته المنية، وذلك بفضل تدخل عناصر الوقاية المدنية، إذ تم حمل الشبان إلى قسم الإنعاش بمستشفى الحسني بمدينة الناظور.

محمد شاب يبلغ من العمر 25 عاماً، واحد من الذين نجوا من الموت، يؤكد أنه ظل منذ مدة في مدينة الناظور رفقة عشرات الشباب يتحينون الفرصة للتسلل إلى مدينة مليلية، قبل أن يقرروا خوض غمار الهجرة عبر قنوات الصرف الصحي، لعلها توصلهم إلى الضفة الأخرى، لكن هذا الحلم بدأ يتبخر شيئاً فشيئاً بعد دخولهم أنبوب القناة.

يقول محمد في حديثه مع “عربي بوست”: “بدأ الجميع يحس بالإعياء والاختناق، ولم يستطع سوى اثنين منا العودة من أجل طلب النجدة، بعدها لا أتذكر كل ما حدث لأنني دخلت في غيبوبة، ولولا لطف الله لقُبضت روحي هناك”.

وكشف محمد في حديثه أن “ما حفزه ورفاقه على خوض هذه المغامرة غير المحسوبة العواقب هو انتشار فيديوهات في الآونة الأخيرة لقاصرين مغاربة في مدينة مليلية، يؤكدون أنهم دخلوا المدينة عن طريق الهجرة عبر قنوات الصرف الصحي، لكن محمد لم يدرك أن مهمة القاصرين أسهل مقارنة بالكبار بسبب ضيق القناة”.

وإذا كان محمد غير نادم على خوضه لهذه المغامرة بسبب الفقر وقلة فرص العمل، فإن صديقه إسماعيل الذي فضل الحديث مع “عربي بوست” باسم مستعار عبّر عن ندمه، معتبراً أن ما قام به خطأ يجب ألّا يتكرر، داعياً الشباب إلى “البحث عن حلول أخرى لأزمتهم بدل ركوب المخاطر”.

ويُحمّل عمر الناجي، رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان السلطات المحلية مسؤولية مصرع هؤلاء الشباب في قنوات الصرف الصحي، معتبراً أن هذا الملف من الملفات الشائكة في المنطقة.

ويضيف المتحدث أن “المئات من الأطفال القاصرين يقصدون مدينة الناظور من أجل الهجرة عبر قنوات الصرف الصحي، بينما تكتفي السلطات بحملات تمشيطية بين الفينة والأخرى، وتقوم بجمعهم في مخيمات ثم ترحيلهم دون تقديم حلول جذرية قادرة على معالجة الظاهرة”.

 كورونا والهجرة عبر قنوات الصرف الصحي

 لم يسلم سوق العمل المغربي من تداعيات جائحة فيروس كورونا المستجد، التي كان لها انعكاس مباشر على جميع القطاعات، وحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط فإن المغرب فقد 589 ألف منصب عمل، وذلك ما بين الفصل الثاني من سنة 2019 والفترة نفسها من سنة 2020.

 ويربط محسن مفيدي، نائب برلماني بين فقدان فرص العمل في القطاع المنظم وغير المنظم، وبين الإقبال الكبير على الهجرة غير القانونية عبر مختلف الوسائل، مؤكداً أن “الهجرة غير القانونية عادت بقوة وبأساليب جديدة خلال هذه الجائحة التي أدت لفقدان العديد من العاملين في القطاعات غير المهيكلة لعملهم”.

ويرى مفيدي في حديثه مع “عربي بوست”، أن “الحل الوحيد لمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة هو تعزيز التنمية، وإيجاد فرص العمل وفتح حوارات حقيقية مع الشباب المغربي، أما المقاربة الأمنية وحدها فليست هي الوسيلة الأنجع لمحاصرة الظاهرة”.

وبحسب مفيدي، فإن “الأمر لا يقتصر على وجود شباب حالمين بالهجرة من أجل تغيير أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، بل هناك شبكات منظمة تجني أموالاً طائلة من هذا النشاط، ما يستدعي مزيداً من تشديد الإجراءات الأمنية ضد شبكات التهريب والاتجار في البشر”.

ويعتبر مفيدي أن “الوقت حان لكي تبادر الحكومة للقيام بإجراءات سريعة وحقيقية غير ترقيعية، من خلال تشجيع التشغيل الذاتي ودعم المقاولة والمبادرة الحرة، لتجنيب الشباب المغربي ويلات الهجرة غير المنظمة”.

من جهته، يرى عمر الناجي أن “توالي حوادث الهجرة عبر قنوات الصرف الصحي دليل ساطع على فشل السياسات الحكومية في المجال الاقتصادي والاجتماعي، معتبراً أنه “في غياب فرص العمل يبحث الشباب عن طريقة لمغادرة البلد مهما كان الثمن”.

ويضيف المتحدث “نبهنا الحكومة عدة مرات إلى خطورة تواجد مئات القاصرين بمدينة الناظور القادمين من مدن أخرى من أجل الهجرة، لكن دون جدوى، وتدخلات الحكومة لا أثر لها على أرض الواقع”.

تعدد وسائل الهجرة

في الآونة الأخيرة تعددت الطرق التي يسلكها المغاربة من أجل الهجرة، فقد وصل بعضهم إلى إسبانيا سباحة، فيما يبقى ركوب القوارب الوسيلة المفضلة للكثيرين من أجل الوصول إلى إسبانيا.

ومنذ ثلاثة أشهر تداول عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي شريط فيديو يُظهر عدداً من المهاجرين المغاربة يسجدون شكراً لله بعد تمكنهم من الوصول إلى شواطئ قادس الإسبانية، الشيء الذي اعتبره متابعون دلالة على انسداد الأفق وتفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.

وأعلن المغرب السنة الماضية إحباط نحو 74 ألف محاولة للهجرة غير الشرعية باتجاه أوروبا، وهو ما يعني تقليص عدد الواصلين إلى السواحل الإسبانية بنحو 60%، في المقابل تم تفكيك 208 شبكات لتهريب البشر مقابل 2029 سنة 2018.

ويرى عمر الناجي في حديثه مع “عربي بوست” أنه “على المغرب تجنب لعب دور الدركي بالنسبة لأوروبا”، معتبراً أن “المرشحين للهجرة في مدينة الناظور سواء من المغاربة أو من دول إفريقيا جنوب الصحراء يعيشون أوضاعاً مزرية، ويتم احتجازهم أحياناً بشكل غير قانوني ولا إنساني”.

Comments are closed.