حتى لا تتكرر المأساة.. كيف نمنع الجائحة القادمة؟

2

منذ 10 أشهر، أفاد مسؤولون صينيون بأن هناك مجموعاتٍ من حالات الالتهاب الرئوي في ووهان. ثم قتل ذلك المرض الذي عرف فيما بعد باسم “كوفيد-19″، وفقاً للتقارير المسجلة فقط، 1.1 مليون شخص وأصيب 43  مليون شخص. ومثلما وصفت سلسلة استمرت لأسبوع في صحيفة Financial Times البريطانية تسبَّبَت هذه الجائحة في تدمير الحيوات، وأبرزت حالة انعدام المساواة والعدالة الاجتماعية، وكشفت عن عيوب قاتلة في نظم الحكم والإدارة في العالم أجمع. 

وكشفت أيضاً أول جائحة في عصر العولمة، الفوضى الاقتصادية التي قد تسببها جائحة، معدلات الوفاة بسببها متوسطة وليست مرتفعة. كشفت الجائحة أن المجتمعات الحديثة لا تحتمل الوفيات الجماعية بقدر ما تحملته المجتمعات السالفة، لكنها أصبحت على استعداد لإيقاف اقتصاديات كاملة لحماية أرواح الناس كما لم يحدث من قبل.

ربما نشهد في المستقبل جرثومة أشد شراً من الحالية، ما يؤكد أهمية تعلم كيفية الوقاية من الأوبئة الجديدة، وكيفية إدارة توابع مثل تلك الكوارث. 

هزَّ كوفيد-19 ثقة حكومات الدول الأغنى في نفسها وفي نفوس مواطنيها، ودمر ادعاء العلماء بأن الأوبئة ظاهرة قاصرة على الدول النامية ذات الأوضاع المتدهورة. وعلى وجه الخصوص ألقت سلالة فيروس كورونا Sars-Cov-2 التي تسببت في هذا التفشي ببؤرة الضوء على خطر الجراثيم المجهولة التي تقفز من الحيوانات إلى البشر، ثم تنتشر حول العالم عن طريق الهواء. إنه ثالث نوع من فيروسات كورونا يقفز من سلالة لأخرى في القرن الحالي، بعد السارس والميرس.  

ويعني تقليل احتمالية هذا الانتقال الحيواني، التقليل من تعدي البشرية لحدودها، التي تتوسع بسرعة وتنتهك باقي سكان البرية، على سبيل المثال، التوقف عن قطع الغابات الاستوائية من أجل المزارع. لا بد أيضاً من زيادة الضوابط على تجارة الحيوانات البرية، خاصة في أسواق المدن الآسيوية.

القاعدة الأولى هي معرفة أعدائك.

هناك مبادرات مثل Global Virome Project التي تهدف لرسم خريطة للفيروسات الحيوانية التي من الممكن أن تصيب البشر، وهي مبادرة تستحق الدعم. قد تُقدم هذه المعلومات للشركات الدوائية، من أجل علاجات وعقاقير وقائية. على عكس ما حدث بعد السارس والميرس، يجب ألا ينحسر التمويل الموجه لمضادات الفيروسات. هناك حاجةٌ للمبادرات في صناعة الدواء للسعي في أبحاث الأمراض المعدية، وليس فقط التركيز على “أمراض الثراء”، التي تجلب الأرباح لمصنعيها، مثل السكري.

يمكن أيضاً إدخال معلومات الأخطار المحتملة في شبكة جديدة للإنذار المبكر تربط بين العلماء ومسؤولي الصحة، تهدف للإشارة لأي زيادة مريبة في مرض غير معتاد، لعزله والتخلص منه. يجب أن تشكل هذه الشبكة جزءاً من هيكل صحي عالمي قوي. ما الهيئة التي تترأس هذا الهيكل؟ تعرضت منظمة الصحة العالمية لانتقادات في بعض عوامل التعامل مع الجائحة، وأضعفها الرئيس ترامب بسحب التمويل الأمريكي. لكن من الأفضل تحسين ما لدينا بدلاً من تضييع الوقت في محاولة بناء شيء جديد من العدم.

يحتاج الهيكل والنظام الحاكم لمنظمة الصحة العالمية للإصلاح ليعزلها أكثر عن التأثر بالأفراد وأهوائهم. ويجب رفع تمويلها السنوي الهزيل الذي قيمته 2.5 مليار دولار، عن طريق زيادة المساهمات من الدول الغنية على وجه التحديد، والقليل من الأموال المرتبطة بمشروعات معينة من المتبرعين، للتحسين من قدرتها على الوقاية من الأوبئة.

القواعد التنظيمية الصحية الدولية، التي تحكم أعمال الطوارئ في منظمة الصحة العالمية يجب تقويتها لتصبح اتفاقاً عالمياً بشأن الأمراض المعدية، يُلزم الدول الموقعة عليه بتوفير بيانات شاملة وسريعة عن أي تفشي وتسمح للمسؤولين الدوليين بالوصول لهذه البيانات.

هناك بعض الإرشادات المعمول بها في السابق في حالة الطوارئ تحتاج لتعديلات، مثل أن السفر جواً لا يجب تعليقه لتجنب الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية. والبعض الآخر مثل نصائح ارتداء الكمامات تغيرت بالفعل. تعلمنا درساً من هذه الأزمة وهو أن الإغلاق السريع لحركة المسافرين من بلد المنشأ ضروري جداً في ظل وجود مرض مُعدٍ.

بالطبع الوقاية والاستعداد للأوبئة الجديدة سيتضمن الاحتفاظ بالمعرفة التي جنيناها والبنية التحتية التي بنيناها لمحاربة الجائحة الحالية، أو القدرة على إعادة بنائها بسرعة، إذ لربما تختلف طبيعة ومصدر الأوبئة القادمة عن السابقة والحالية. لكن الحظر المحلي، وإجراءات التباعد الاجتماعي وأنظمة الاختبار والتتبع ستبقى على الأغلب محورية في عملية السيطرة على الأوبئة الجديدة. فالدول الآسيوية التي اكتسبت مثل هذه الخبرة من السارس تعاملت مع كوفيد-19 أفضل من نظيراتها الأوروبية وفي الأمريكيتين. 

تجاهل العالم التحذيرات المتزايدة من خبراء الأمراض المعدية بأن هناك جرثومة مجهولة مسببة للمرض، “المرض س” وستظهر من الحيوانات وستتسبب في جائحة مدمرة. وإذا كان كورونا هو المرض س، فلا بد أن نستعد أفضل كثيراً لمواجهة “المرض ص” القادم.

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Financial Times البريطانية.

Comments are closed.