حلفاء واشنطن في الخليج يشنّون حملات تضليل بين الأمريكيين

3

في مؤتمر صحفي موجز يوم الأربعاء، 21 أكتوبر/تشرين الأول، قال مسؤولون بارزون أمريكيون في إنفاذ القانون والاستخبارات إنَّ روسيا وإيران تمكنتا من الوصول إلى معلومات شخصية خاصة بالمصوتين، واستهدفت هذه الأخيرة الناخبين الديمقراطيين في عملية معلوماتية. ووفقاً للمسؤولين، ادعى فاعلون إيرانيون أنهم من جماعة Proud Boys المؤيدة لترامب وتفوق العرق الأبيض، وبعثوا رسائل تهديد إلى الناخبين الديمقراطيين وأخبروهم بالتصويت لترامب.

ولا ينبغي أن تثير هذه الأخبار، ولا احتمالات حدوث المزيد من هذه العمليات في المستقبل، أية دهشة كما يقول موقع Responsible Statecraft الأمريكي. وسلَّط المسؤولون الأمريكيون -أو بعضهم على الأقل- الضوء لبعض الوقت على حقيقة أنَّ روسيا لا تزال تمارس حيلها القديمة، بل إنها تزيد من وتيرتها منذ ظهور “كوفيد-19”. إضافة إلى ذلك، يحذر المحللون الذين يتابعون المعلومات الخاطئة والمُضلِّلة عن كثب الآن من أنَّ الصين قد غيرت لعبتها في خضم الجائحة لكي تشبه إلى حد كبير تلك الخاصة بروسيا. وفي حين أنَّ عمليات طهران ليست معقدة مثل تلك الروسية، إلا أنها تمثل نشاطاً إيرانياً متزايداً، وتهديداً باستمرار للعمليات المعلوماتية.

إنَّ خبراء السياسة الخارجية ومحللي الاستخبارات والشخصيات الإعلامية والمسؤولين الحكوميين محقون في الإشارة إلى الطرق التي تنشر بها روسيا والصين وإيران، ودول أخرى، معلومات مضللة وخاطئة داخل الولايات المتحدة وديمقراطيات أخرى لإثارة البلبلة وإضعافها. 

وتمثل هذه العمليات تهديداً للديمقراطية. ومع ذلك، يجب أن نتذكر أنَّ هؤلاء الفاعلين الشائنين ليسوا الوحيدين الذين يشنون حملات معلوماتية نشطة. إذ يُسلِّط تقرير جديد عن العمليات المعلوماتية من معهد دراسات الدبلوماسية بجامعة جورج تاون الضوء على هذه القضية، وكيف أن حلفاء واشنطن في الخليج باتوا ينخرطون في هذا الأمر أيضاً.

“سلوكيات سيئة من حلفاء واشنطن”

في مايو/أيار 2017، أفادت وكالة الأنباء القطرية بأنَّ الأمير تميم بن حمد آل ثاني أثنى في خطاب على “الجماعات الإسلامية: حماس وحزب الله والإخوان المسلمين” وحتى إيران. ثم ظهر نص الخطاب على حسابات وكالة الأنباء القطرية على الشبكات الاجتماعية. وكانت هذه أخباراً مدوية؛ لأنَّ حلفاء قطر في مجلس التعاون الخليجي، وخاصة السعودية والإمارات، تعارض بشدة مجموعات مثل حزب الله والإخوان المسلمين، والأهم إيران. 

لكن الحقيقة أنَّ هذا الخطاب لم يُلقَ قط؛ إذ إنَّ عملاء الإمارات هم من اخترقوا موقع وكالة الأنباء القطرية ونشروا الخطاب المزيف. ثم أصبح هذا “اللاحدث” سبباً لقرار السعودية والإمارات وسبع دول أخرى بقطع العلاقات مع قطر وفرض حصار تعجيزي يستهدف، على حد تعبير وزير الخارجية السعودي، “إخضاع قطر”.

وصارت العمليات المعلوماتية في المنطقة أعمالاً تجارية كبيرة. واستعان السعوديون وغيرهم من الفاعلين الخليجيين بشركة إسرائيلية تُدعَى NSO Group -التي تعمل مثل المرتزقة خارج منطقة الشرق الأوسط- لجمع المعلومات الاستخبارية عن الأفراد والحكومات وتنفيذ حملات معلوماتية. وبدأت دول الخليج، من جانبها، تأسيس شركاتها الخاصة في هذا المجال، مثل DarkMatter في الإمارات.

وفي يونيو/حزيران 2019، بدأت “شركة تسويق رقمي غامضة في القاهرة في نشر محاربين إلكترونيين على جبهة ثانية؛ هي: عملية سرية للإشادة بالجيش السوداني على الشبكات الاجتماعية”. وهذا مجرد جانب واحد مما يبدو أنه جهدٌ منسق في المنطقة لدعم المبادئ الاستبدادية. وأدارت هذه الحملة شركة مصرية تُسمَى New Waves، لكن موقع فيسبوك أغلق حساباتها في أغسطس/آب 2019، وكذلك حسابات شركة إماراتية تدعى Newave. وذكرت صحيفة  The New York Times في ذلك الوقت أنَّ “الشركتين تعاونتا معاً باستخدام المال والخداع والحسابات المزيفة للاستفادة من جمهورهما البالغ عدده 14 مليون متابع على فيسبوك، بالإضافة إلى آلاف آخرين على إنستغرام”.

حملات برعاية إماراتية

وفي أوائل عام 2020، أفادت وكالة رويترز بأنَّ مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي كان “يُحقِّق في دور شركة NSO Group Technologies الإسرائيلية لبرامج التجسس في عمليات اختراق محتملة لحسابات الشركات وأشخاص موجودين في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات جمع معلومات استخبارية عن الحكومات”. وهناك احتمال أيضاً أنَّ شركة NSO هي التي زودت السعودية بالبرمجيات التي استخدمتها لاختراق هاتف جيف بيزوس، رئيس أمازون ومالك صحيفة The Washington Post، في خضم تداعيات مقتل كاتب الأعمدة في الصحيفة جمال خاشقجي.

وفي وقت قريب، فيما كان على الأرجح حملة برعاية إماراتية، ظهرت مقالات رأي في عدد من وسائل الإعلام الأمريكية المحافظة “تثني على الإمارات العربية المتحدة وتدعو إلى اتباع نهج أكثر صرامة تجاه قطر وتركيا وإيران ووكلائها في العراق ولبنان”، وذلك حسبما ذكرت صحيفة The Daily Beast. واتضح أنَّ الكتاب المزعومين لتلك المقالات هم في الواقع شخصيات وهمية لهم صور رمزية غير أصلية وملفات شخصية على تويتر، وحسابات على ليكد إن مُصمَّمة لخداع المواقع لنشر مقالات تشيد بموقف الإمارات بشأن قضايا الأمن الإقليمي.

حان وقت مواجهة الحلفاء الخليجيين

يقول موقع Responsible Statecraft إن حكومة الولايات المتحدة تحتاج إلى إعادة تقويم عدد من السياسات والعلاقات في منطقة الخليج، وهذا يشمل إجراء بعض المناقشات الصعبة مع الحلفاء الديكتاتوريين حول ترويجهم للمعلومات الخاطئة والمُضلِلة والخطيرة على نطاق واسع. 

أولاً، إغراق موجات البث والإنترنت بمزيد من المعلومات الخاطئة والمُضلِلة يزيد من تعكير صفو الحقيقة؛ مما يجعل من الصعب على الأفراد تمييز ما هو حقيقي وما هو غير ذلك. وهذا يقود الناس إلى الاعتقاد بأنَّ لا شيء صحيح، أو أنَّ الحقيقة “غير معروفة”؛ مما يولد التشكك واللامبالاة والإحجام عن المشاركة في المجتمع المدني. 

ثانياً، والأهم لأغراض السياسة الخارجية، فإنَّ ظهور صناعة تطوير معلومات مُضلِلة ترعاها دول الخليج وتركز على إيران ووكلائها يمثل إضافة خطيرة للوضع القابل للاشتعال بالفعل. علاوة على ذلك، فهي تمنح “المُتصيِّدين” في دول الخليج وإسرائيل والولايات المتحدة الذخيرة اللازمة بغض النظر عمّا إذا كانت خاطئة أو مضللة.

في النهاية، يوصي تقرير مجموعة العمل الجديد لمعهد دراسات الدبلوماسية الإدارة الأمريكية بمواجهة الحلفاء والضغط عليهم عند تنفيذ مثل هذه العمليات بنفسها، أو تمويل شركات القطاع الخاص التي تتولى التنفيذ نيابة عنها. وفي حين أنَّ رد الفعل هذا لن يشمل على الأرجح لوائح اتهام وعقوبات كما في حالة روسيا (ما دامت لا تستهدف الولايات المتحدة)، لكن جعل مبيعات الأسلحة أو المساعدة في الحرب الأهلية المستمرة في اليمن “مشروطاً أكثر” بمواصلة الحلفاء الخليجيين شن العمليات المعلوماتية السرية سيكون “خطوة في الاتجاه الصحيح”، كما يقول الموقع الأمريكي.

Comments are closed.