رسالة إلى رسول الله

1

من العبد الضعيف، المحب المقصّر، الفتى الذي آمن بك ولم يرَك، الرجل الذي أحبك ولم يلتقِ بك، الشيخ الذي انحنى ظهره ولو رآك ساعةً لاستقام، الطفل الذي يغني لك وهو لا يعرف عنك سوى ما يسمعه، فماذا حين يكبر فسمع الحكاية كاملة؟ الفتاة التي وجدت فيك الذي تريده في مَن سيتقدم لخطبتها، فتقول له كن محمداً، السيدة التي تبكي كلما خطر ذكرك وتعلن شوقها، العجوز التي تبكي كلما رأت قناة المدينة المنورة على التلفاز، وتقول: “يا رب إوعدنا”.

من الشاب العاصي، الذي أعيَته الفتن في زمنٍ ثقيل لم يعشه صحابتك، وأرهقته الذنوب بينما ينظر تجاه مرقدك في خجل ويقول: “إلى الله معذرة ما قصدت المعصية”، وأنهكته الخطوب فلم يجد مرشِداً يجلس بين يديه ويقول له: “تُب ولو أذنبت ألف مرة في اليوم”، وفقد البوصلة فودَّ لو كنت حياً فوجد عندك إشارةً تقول له إلى أين يتجه، وأين يجد الله بالتحديد، وضحك في نكساته ثم بكى حتى طلع عليه الفجر، فاغتسل وصلى، ثم عصى من جديد فينظر إليك في خجل، ويتخيلك تبتسم معاتِباً تقول له: “يا غلام، احفظ الله يحفظك”.

من العصبي جداً الذي كلما أراد الهدوء صلى عليك، من البعيد الذي يريد الاقتراب فيجد في سيرتك الكريمة ضالته، من المَلول الذي لا يملّ من السماع عنك، من الذي نقطة ضعفه أنت، كلما هاج وثار قيل له: صلِّ على النبي، فتحول إلى حملٍ وديع، لا يطيق أن يرد رجلاً استدعى رسول الله، مِن الذي يحبك مهما عصى، ويحبك مهما امتلأ قلبه بالران، ويحبك ويرجو أن يجد في محبة خير البشر حبَّ بقية البشر، فيصفو قلبه، وهو يؤمن تماماً بالوصية الخالدة: صلِّ على الحبيب، قلبك يطيب.

من الأمة المتعَبة، التي ليست ضعيفة لكنها مستضعفة، المشتتة بين أعدائها الذين منها، الطاعنين بظهرها من خلفها، والباقرين بطنها أمامها، الأمة التي لا تملك أن تتحرك أسطولاً من نهر النيل إلى نهر السين، ولا تستطيع الانطلاق في مظاهرةٍ تمتد من الخرطوم إلى باريس، ولا يستطيع رجالها أن يخرجوا في القاهرة أو دمشق أو القدس أو الرباط دون أن يحاكَموا بتهمة الهتاف لرسول الله، من الأمة التي تداعت عليها الأمم لكنها تحاول أن تفديك بكل ما ملكت، تحاول أن تجتمع على قولةٍ واحدةٍ تذود بها عنك، تحاول أن تردع العنصرية تجاهك بكل ما ملكت من أزيرٍ في حناجرها، تحاول أن تمتنع عن شهواتها في التسوق ولو مرةً لأجل عيونك النائمة على بعد آلاف الكيلومترات في مدينتك المنورة بك، تحاول رغم المرجفين في المدينة الذين لم يموتوا يا سيدي، أن تقول شيئاً لأجلك، أن تفعل فعلاً لأجلك، أن تجتمع وتثور فيندحر المتطاولون عليك، وهم لم يروا من قبل اجتماع ملياري إنسانٍ على قلب رجلٍ واحد، فكان القلب قلبك، وكان الرجل أنت.

منا جميعاً.. إلى الرجل البعيد عنا في المكان والزمان، القريب منا في كل زمان ومكان، إلى الذي أُدميت قدماه فدانا، وكسر الرمح ثناياه فدانا، وعُذب أحبابه فدانا، وسار في الهاجرة هجرته فدانا، واختبأ في الغار بطول الليالي فدانا، وتعبّد في غارٍ آخر حتى يعرف الله، فدانا، وحفر الخندق فدانا، وصعد إلى السماء وطلب تخفيف الحمل عنا فدانا، ووُضع الأذى فوق ظهره فدانا، وأسرَّ أمره أعواماً طويلة فدانا، ثم جهر به متحملاً عواقبه فدانا، واستهزأ به المرجفون فصبر عليهم فدانا، واتُّهم في شرفه وعرضه فتحمل ذلك فدانا، وعاش لله يفدينا، ومات وبالُه مشغولٌ علينا، فدانا، ثم حين يفر الجميع من الفداء، ويود المرء أن يفتدي نفسه ببنيه، وحدَه يفدي الجميع من جديد ويقول: “أمتي أمتي”.

إلى الزوج الكريم المكرِم لأمهاتنا أمهات المؤمنين زوجاته، إلى الأب الحنون ببناته، والخادم النبيل لبيته، إلى الذي تشققت قدماه، ثم حين وصلت الرحلة وجهتها لم يأمر بنعلٍ وإنما جلس على عتبة بيته يخصف نعله، والذي لبس الخيش ثم حين استوى مقامه لم يلتحف بالحرير وإنما جلس يخيط ثوبه، والذي نام في الغار ثم حين انتهت حكاية السر وباح بأمره وصار قائد قومه لم يأمر بالأسِرة وإنما نام على الحصير، والذي لم يغضب إلا لله ولم يسكن إلا لله، فكان حنوناً حين يقسو الناس، وكان واضحاً حين تبهت المعاني، وكان كريماً حين تشح النفوس، وكان قوياً حين تضعف العزائم، وكان منتصراً حين تُخشى الهزائم، وكان ثابتاً حين تفر الجموع، وكان نبياً حين قسا الخلقُ فاحتاجت الدنيا إلى مبعوثٍ من الله، ورسولٍ يعلمهم الرحمة، وينفي عنهم الكراهية، ونزل في قومٍ عصبيين جاهليين، فآخى بين هذا وذاك، وصاحَب سلمان من فارس، وبلالاً من الحبشة، وآخى بين أهل البدو والحاضرة، وفتح لهم أبواب الدنيا على مصاريعها، وبينها أبواب الآخرة، يقول لهم افتحوا بلاد الله تُفتح لكم جنانه، فكان ما كان، ودار الزمان، وصارت دار الأرقم كبيرةً، وبدلاً من التخافُت فيها صارت لها إذاعة ومذياع، واتسعت الدار حتى شملت الأرض، وازداد المجلس فصار الحضور ملياري إنسانٍ، لا آخر لهم، لكن أولهم كان محمد رسول الله.

إليك يا سيدي، ولعل وصلَك ما يجري، ولعلك عرفتَ ما يسرّونه لك وما يعلنونه عليك، ورأيت الساخرين منك، وسمعت المستهزئين بك، وظننتَ نفسكِ وحدك تواجههم، لكنك رأيتنا، ووجدتنا نفديك بأرواحنا، نحيط بك من كل جانب، وهي المرة الوحيدة التي نعطيك فيها ظهورنا؛ لأننا نريد أن نفديك مقبلين بصدورنا على من يرمي سهامه تجاهك، وذلك أضعف الإيمان، وأنت تعلم ما بنا، الله يعلم ماذا يجري لنا، ويعلم أن جهدنا القليل ليس من بخلٍ وإنما من كربٍ نعيشه، فلا نملك إلا اليسير، لكننا ندفع كل ذلك اليسير الذي نملكه فداك.

وأتعجب يا سيدي، كيف يسخرون منك؟ كيف يصورونك بهذه البشاعة وأنت أجمل الناس؟ كيف يبخلون عليك بخلقهم وأنت أكرم الناس خلقاً؟ كيف يهزؤون بك وأنت المعصوم من الزلل؟ كيف يستبيحون سيرتك وأنت رمزٌ لمئات الملايين على وجه الأرض؟ أين الحرية التي يتحدثون عنها؟ هل الحرية مقصورةٌ عندهم على الخوض في الإسلام؟ وهل عجزت الحداثة عن استثناء المقدسات من تطاولات “الفنون”؟ شرعهم أم الشرع الذي جئتنا من الله به؟ القرآن الذي نزل قبل مئات الأعوام أم دستورهم الحديث؟ من الذي يكفل حرية للناس أكثر؟ الله أم ماكرون؟ ومن الذي جاء ليحدث الناس عن اختراع اسمه الحرية؟ الإسلام أم العلمانية؟

حين كان الناس يُستَعبدون في مشارق الأرض ومغاربها، كان هناك دينٌ جديد يتصدره رجلٌ من مكة اسمه محمد، يقول للناس إنه لا فرق بين عربي وأعجمي، ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى، وكان ذلك المنهج يجعل كفارات الذنوب عتق الرقاب، وكان يحرر الرقيق ويجزل ثواب محرريهم، بينما كانت فرنسا بعد ذلك بمئات أخرى من الأعوام، تستعبد الأمم جماعياً، لا تشتريهم حتى، وإنما هي المسؤولة الأولى عن سوق العبيد في العالم، تأتي بالمنتَج الآدمي الحر من جذوره، فتحوله إلى عبدٍ يساق بالسلاسل ويُجلَد بالكرابيج ويصلَب على النخيل، وتوردهم إلى الدول المستعبِدة الأخرى، وتقبض ثمن البشر مالاً، وتأكل من موارد غيرها، ولم تطعم نفسَها يوماً، ثم صدرت لنا هذه الدناءة كلها مغلفةً في علبٍ أنيقة، ثم سبّوك فقاطعناهم، فقالوا عن الملياري إنسان “أقلية متطرفة”، إنها حرب بين الوضوح والبهتان، بين تقدم الإسلام وتأخر العقيدة التي يعتقدونها، بين الحرية التي طبقها الإسلام وفرضها، وبين العبودية التي ينادون بها في غلافٍ اسمه الحرية.

فداك يا رسول الله، ولو بالجهد القليل، بمقاطعة بضاعتهم، وبصرخات على لوحات المفاتيح، ولا نقول إن حناجرنا تكسل عن الصراخ لك في الشوارع، ولا نقول إن أبداننا أضعف من أن تكون لنا بضاعة تغنينا إلى الأبد عن بضاعتهم، لكنها حال أمتك المستضعفة، لكن ما بها لا يمنعها من أن تبذل لأجلك كل شيء، ولو كان آخر نفَسٍ في روحها الصاعدة إلى السماء، وآخر حركةٍ في جسمها النحيل، وآخر مقولة في حنجرتها المبحوحة، ولعلك الآن ترانا يا سيدي يا رسول الله، تنظر إلينا، وتجدنا من كل حدبٍ وصوب، من كل جانب، هزيلة أجسامنا، لكن ما بقي من قوتنا مجمع في صوتٍ واحدٍ نقول فيه: “إلا رسول الله”.

Comments are closed.