رغم التحديات والعواقب.. لماذا لن يتخلى ماكرون عن معركته مع الإسلام بسهولة؟

2

حين عَرَض سامويل باتي، مدرس تاريخ وجغرافيا في مدرسة بإحدى ضواحي باريس، في 6 أكتوبر/تشرين الأول، نسخةً عن الرسمة المسيئة للرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، التي أثارت الهجوم على مجلة شارلي إيبدو منذ 5 أعوام مضت، من البديهي أنه لم تكن لديه أية فكرة عن العواقب المأساوية لذلك على حياته والمجتمع الفرنسي، وعلاقات باريس مع العالم الإسلامي. وتحول العمل المسيء الذي تدّعي فرنسا إنه كان يُقصَد به “استكشاف حرية الفكر داخل صف دراسي” إلى “صراع مُصغَّر بين الحضارات”، تقول صحيفة The Guardian البريطانية.

وعقب ذلك بعشرة أيام قُتِل باتي على يد مراهق مولود في روسيا من أصل شيشاني؛ ما أثار موجة صدمة عبر جدال فرنسا المُطوَّل حول العلمانية. ورد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على الواقعة بالقول إنَّ بلاده لن “تتخلَّ عن الرسومات الساخرة”، ما أثار غضب ملايين المسلمين حول العالم.

ومنذ ذلك الوقت، وَصَف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الرئيس ماكرون بـ”المختل عقلياً”، واستُدعِي السفير الفرنسي لدى باكستان لإدانة التحريض على الإسلاموفوبيا، ومن صنعاء إلى الرياض أصبح الرئيس الفرنسي يُمثل محور شر. وانطلقت دعوات كبيرة لمقاطعة المنتجات الفرنسية، وعلى سبيل المثال يسارع مطعم Le Train Bleu في الدوحة، الذي يوفر تجربة تحاكي تناول الطعام في باريس، لإعادة تعهيد توفير موارده، تقول الصحيفة.

“معركة لن يتخلّى عنها ماكرون بسهولة”

وسيكون من السهل تصور أنَّ ماكرون، الذي يواجه رقماً قياسياً من الإصابات بفيروس “كوفيد-19” في بلده، قد يفكر فيما ينتظره من مشكلات عليه التعامل معها، ما يدفعه للتراجع، لكن يبدو أنه فعل العكس؛ إذ اتصل بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفي ذهنه الأصول الشيشانية لمهاجم باتي المزعوم، لحثه على مضاعفة جهود موسكو للتعاون في مكافحة الإرهاب. ويسعى ماكرون منذ فترة طويلة إلى إعادة ضبط العلاقات مع موسكو، من خلال “توحيد الجهود ضد الإرهاب”. ووفقاً لبعض الروايات اتّخذ الاتصال شكل محاضرة، بينما قال آخرون إنها كانت “دعوة لتوثيق التعاون في قضية مشتركة”.

وفي كلتا الحالتين، هذه ليست معركة من المرجح أن يتخلى عنها ماكرون بسهولة. فعلى الصعيد المحلي يخوض ماكرون الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، في أبريل/نيسان 2022، وينتظره تحدٍّ يتمثل في اليمين ذي العقلية الأمنية، سواء مرشح حزب “الجمهوريين” اليميني الوسطي، أو المرشحة اليمينية المتطرفة مارين لوبان، التي تتقارب حظوظها مع ماكرون في استطلاعات الرأي، وتبلغ صافي معدلات رفضها رئيساً سالب 24%.

وسيكون في تقديره أنه ما دام يستطيع الصمود للجولة الأخيرة من الانتخابات الرئاسية، فلم يعُد هناك خيارٌ سواه أمام تيار اليسار. ولن يضيره كذلك اتخاذ موقف قاسٍ من النزعة الانفصالية الإسلامية، ودفع ثمن ذلك عالمياً مع الناخبين المُتردِّدين من تيار اليمين.

الإسلام الذي يريده ماكرون

لكن قَصرَ صراعه مع “التطرف” على منظور ضيق من حسابات سياسية شخصية قد يكون عدم فهم لرحلة ماكرون الفكرية حول العلمانية منذ توليه الرئاسة، ولمحورية هذه القضية في سياسته الخارجية، بما في ذلك موقفه من تركيا وروسيا وحلف الناتو والشرق الأوسط. ويسعى ماكرون من خلال رفع الرهانات وإبقائها على هذا النحو إلى دفع الآخرين للتسليم بأنهم “لا يمكنهم البقاء على الحياد”.

وعلى أية حال، كان ماكرون قد تناول الجدل حول نظرته الخاصة للإسلام قبل وفاة باتي، في خطاب بتاريخ 2 أكتوبر/تشرين الأول، حول العلمانية، وهو خطاب استمرّ لمدة ساعة حاول الالتزام فيه بالدقة حول كيفية دمج الإسلام والعلمانية الفرنسية على طريقته الخاصة، التي تضمن عدداً من المقترحات لإعادة ضبط دور الأئمة والمساجد، وإضفاء سيطرة أكبر على الجمعيات الخيرية الإسلامية.

وقال الرئيس الفرنسي، في المقطع الذي استفزّ المسلمين، والذي تبيَّن أنه الأكثر استفزازاً لتركيا: “الإسلام دين يمر بأزمة في جميع أنحاء العالم… نحن لا نؤمن بالإسلام السياسي الذي لا يتوافق مع الاستقرار والسلام في العالم”.

ووصف ماكرون ما سمّاها “النزعة الانفصالية الإسلامية” بأنها “انحراف” عن الإسلام، وأنها “مشروع سياسي-ديني واعٍ له نظرية، ويتبلور من خلال التناقضات المتكررة مع قيم الجمهورية، وتؤدي غالباً إلى خلق مجتمع مضاد، ويتجلى في مظاهر مثل تسرب الأطفال من المدرسة، وتطوير الرياضة، والممارسات الثقافية والمجتمعية التي تمثل ذريعة لتعليم مبادئ لا تتفق مع قوانين الجمهورية”، على حد تعبيره.

وتضمّن خطاب ماكرون أيضاً بعض الفقرات التي تحدثت عن الدولة بوصفها “ضامنة لحرية الاعتقاد، والإرث الاستعماري الفرنسي، والحرمان الاقتصادي”.

جبهات مشتعلة مع تركيا

ولن يستغرق خطاب مستفز مثل هذا وقتاً ليصبح مصدر شكوى في الخارج، وبالأخص في تركيا، لاسيما أنَّ نصف الأئمة في فرنسا أتراك، لكن الأهم من ذلك هو أنَّ تركيا تخوض عدداً من النزاعات بالفعل مع فرنسا.

ولكل من هذه النزاعات -حول سوريا وليبيا والناتو والتنقيب عن الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط، وأخيراً أرمينيا- سياقه وتفاصيله الخاصة، لكنها تنبع جميعاً من الشكوك الفرنسية في تسميتها “طموحات أردوغان بزعامة الإسلام السُّني المتجدد”.

وفي سوريا، يعترض ماكرون على الحرب التركية على “وحدات حماية الشعب” الكردية المصنفة إرهابية، وهم كانوا حلفاء فرنسا في الحرب ضد “داعش”. وفي ليبيا تحول دعم ماكرون المباشر لجنرال الحرب خليفة حفتر إلى صراع مع تركيا، بعد أن هبّت أنقرة لمساعدة حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً. 

وراح ماكرون يُحذِّر بعد ذلك من أنَّ “حلف الناتو قد يصاب بـ”الموت الدماغي” لأنَّ الدولة العضو تركيا مترددة بشأن الدفاع عن القيم الغربية”. وفي البحر المتوسط​ يساوي الرئيس الفرنسي المصالح اليونانية بمصالح أوروبا بأكملها، تاركاً لألمانيا أداء دور الوسيط، وفي نزاع قره باغ يعلن أكثر فأكثر عن انحيازه إلى أرمينيا، التي تتحارب مع أذربيجان تركية الثقافة والإرث.

“فرنسا أولاً”

يشعر العديد من الأوروبيين بالقلق من سير ماكرون على نهج شارل ديغول إلى حد ما، أو نهج “فرنسا أولاً”. وفي هذا السياق يقول برونو تيرتريه، من المؤسسة الفرنسية للأبحاث الاستراتيجية: “فرنسا نفسها لا تستشير حلفاءها دائماً أو تسعى للحصول على دعمهم قبل اتخاذ مبادرات دبلوماسية، بالكاد فعلت ذلك في ليبيا، ولم تفعل ذلك على الإطلاق فيما يتعلق بإعادة ضبط العلاقات مع روسيا. ربما لو كان ماكرون قد عزَّز العلاقات مع حلفاء فرنسا في الناتو من أوروبا الشرقية وأعضاء الاتحاد الأوروبي لكان قد حصل على المزيد من الدعم المُبكِّر لموقفه ضد تركيا، والمزيد من الثقة تجاه دبلوماسيته مع روسيا”.

وتتصور فرنسا أنَّ أردوغان سيستسلم للضغوط، على اعتبار أن الليرة التركية شهدت مزيداً من التراجع، ولا يوجد إلا عدد محدود من الجبهات التي يمكن لأردوغان القتال عليها، لكن أردوغان سيستمد قوته من أخطاء ماكرون وإدانات العالم العربي لمواقفه. ويوم الإثنين، 26 أكتوبر/تشرين الأول، انضم أردوغان صراحةً إلى الدعوة إلى مقاطعة البضائع الفرنسية، وقال خلال خطاب: “أصبح من الصعب أكثر فأكثر أن تكون مسلماً، وأن تعيش أسلوب حياة إسلامياً في الدول الغربية”. ما يُنذِر بأنَّ هذا الصراع ما زال أمامه طريق طويل.

Comments are closed.