زوجان تركيان قد ينقذان ألمانيا والعالم من كورونا.. هل آن الأوان ليتوقفوا عن كراهية المهاجرين؟

7

حين أعلنت شركة BioNTech (بايونتيك) الألمانية وPfizer (فايزر) الشهر الماضي، نوفمبر/تشرين الثاني، تحقيقهما نتائج واعدة جداً للقاح ضد فيروس كورونا، جُنَّ جنون تويتر.

وإلى جانب فيضان التهاني والتعبير عن البهجة، كان هناك سبب خاص للابتهاج لدى البعض، وهو أنَّ أوغور شاهين وأوزلم تورجي، الزوجين اللذين أسَّسا شركة بيونتيك ويديرانها، هما ألمانيان من أصل تركي. بشّرت قصتهما بتحدي مشاعر الاستياء من المهاجرين، التي أصبحت منتشرة في الحياة العامة الألمانية على مدار العقد المنصرم.

 وإن كان من شيء يمكنه أن يزيل الاستياء المناهض للمهاجرين، فهو إنقاذ زوجين ألمانيين تركيين العالمَ من فيروس مميت.

لكن لا شيء بهذه البساطة. فعند التبشير بالزوجين باعتبارهما يمثلان “قصة نجاح استثنائية للمهاجرين”، كرَّر كثيرون المبادئ الأساسية للفكر المناهض للمهاجرين، بأنَّ المهاجرين هم بالأساس جزء منفصل عن المجتمع الألماني، وأنَّ قِلَّة خاصة منهم قد تكسب مكانها لكن يجب رفض البقية. كان التنافر واضحاً، لكن ربما لم يكن مفاجئاً. فحين يتعلَّق الأمر بالهجرة، تتعاطى ألمانيا بعدم ارتياح حتى مع أكثر نجاحاتهم إذهالاً.

مع ذلك، بدا أنَّ ابتكار لقاح على يد زوجين يحملان أسماءً تركية قد جاء في الوقت المناسب. فقبل 10 سنوات، ادعى عضو سابق رفيع بالحزب الاشتراكي الديمقراطي، تيلو سارازين، في كتاب يحمل عنوان “Germany Abolishes Itself” (ألمانيا تلغي نفسها)، بأنَّ جذور الفجوة التعليمية بين المهاجرين من البلدان ذات الغالبية المسلمة والألمان تعود إلى الاختلافات الجينية (أو “أوجه العجز الفكري” كما وصفها). وحذَّر سارازين من أنَّ الهجرة تهدد الاقتصاد الألماني من خلال الانحدار بمعايير التعليم بشكل عام. وأصبح الكتاب من بين الأكثر مبيعاً، وما يزال موجوداً على الكثير من أرفف كتب الطبقة الوسطى.

تلقَّف حزب “البديل من أجل ألمانيا”، الحزب اليميني المتشدد الذي تشكَّل في 2013 واستغل الشعور المناهض للمهاجرين وعززه، هذه السردية، فوصم المهاجرين باعتبارهم استنزافاً خطيراً لموارد البلاد. ولا يتوقف الحزب أبداً عن الترويج لذلك. فعلى سبيل المثال، وصفت أليس فايدل، وهي إحدى القياديات في الحزب، في عام 2018 المهاجرين بأنَّهم “Kopftuchmädchen” و”Messermänner” –فتيات الحجاب ورجال السكاكين- من داخل قاعة البرلمان. وكثيراً ما يُركِّز النقاش السياسي على المشكلات التي يُفتَرَض أنَّها مرتبطة بالمهاجرين مثل التعصب الديني والجريمة والفقر، وجزء غير بسيط من ذلك مرجعه نجاح الحزب.

وفي ظل هذه الخلفية، بدا نجاح شاهين وتورجي فرصة محل ترحيب للاحتفاء بفوائد الهجرة، للعرفان بمدى إثراء المهاجرين لمجتمعنا وإكسابه عمقاً. وسلَّطت قصتاهما –جاء شاهين، الابن لعامل تركي، إلى ألمانيا طفلاً، في حين وُلِدَت تورجي، الابنة لطبيب تركي جاء من إسطنبول، في ألمانيا- الضوء على التاريخ الذي غالباً ما يكون خفياً للهجرة إلى ألمانيا في فترة ما بعد الحرب.

فبدءاً من خمسينيات القرن الماضي، ولتدعيم طفرتها الاقتصادية في فترة ما بعد الحرب، استعانت ألمانيا بعمالة معظمها من إيطاليا وتركيا. ولم يكن من المفترض بقاء هؤلاء العمال، الذين أُطلِق عليهم “Gastarbeiter” (العمال الضيوف). لكنَّ الكثيرين منهم بقوا، وصار أبناؤهم وأحفادهم اليوم جزءاً لا يتجزأ من مجتمع البلاد. لكن كثيراً ما يجري إغفالهم. وبدا الدفاع عن نجاح د. شاهين، الابن لعامل بمصنع شركة Ford، على وجه التحديد تصحيحاً ضرورياً لهذا التشامخ.

لكنَّ التمييز يمضي في اتجاهين؛ فيمكن أن يُقدِّم العرفان المطلوب كثيراً، لكن يمكن أيضاً أن يجعل نجاح المهاجرين يبدو استثناءً ويشير إلى المهاجرين بأنَّهم “ليسوا منا”، مثلما أشار أحد زملائي. وحين اتصلتُ ببعض الألمان من ذوي الأصول التركية، عبَّر الكثير منهم عن ثنائية مماثلة.

فقالت لي خديجة أكيون، وهي صديقة لي وكاتبة رأي لدى صحيفة Der Tagesspiegel الألمانية (حيث أعمل أنا يضاً): “أخيراً، بات هناك شيءٌ افتقدناه طويلأً: التقدير”. وبصفتها ابنة أحد “العمال الضيوف”، شعرت برابطة تجمعها بالزوجين، شعرت بـ”الفخر من سيرتهما، إن شئتم القول”. لكنَّها أيضاً لم تكن مرتاحة للتركيز على سيرتهما. وقالت: “لعبتُ أنا نفسي دور النموذج المُعبِّر عن الاندماج الناجح لفترة طويلة. لكن قد يكون من المرهق والمحبط أن يجري النظر إليك عبر هذا المنظور طوال الوقت”.

وبدا أنَّ نايكا فوروتان، الأستاذة بجامعة هومبولت في برلين، تشاطرها هذا الشعور. وكتبت في رسالة بريد إلكتروني: “أعتقد أنَّه من الصواب والمهم والمُرضي أن يجري التأكيد على أجدادهما”. لكنَّها هي الأخرى ضاقت ذرعاً بالتركيز على النماذج القدوة. فكتبت: “هذا النوع من التأطير يعيد إنتاج فكرة الاستثنائية، أن يمثل ارتقاء المهاجرين في المجتمع وتحقيق إنجاز كبير دوماً استثناءً”.   

لا يغفل هذا الدور الأساسي الذي يضطلع به المهاجرون في المجتمع بصفة عامة وحسب، بل إنَّه بعيد عن الحقيقة أيضاً: تُظهِر الدراسات أنَّ المهاجرين يميلون إلى الارتقاء في الطبقات الاجتماعية بمرور الوقت. لكن يبقى تمثيل المهاجرين في المستويات العليا من المجتمع متدنياً، وفرصهم في التقدم هي بصفة عامة محدودة.

وبالنسبة لجيم أوزديمير، عضو حزب الخضر الذي صار في عام 1994 أول ابن لأحد “العمال الضيوف” الأتراك يُنتَخَب للبرلمان الألماني، هذا هو ما يجعل من المهم تسليط الضوء على قصص مثل قصة د. شاهين ود. تورجي.

قال لي أوزديمير: “في ألمانيا، ما يزال المكان الذي جئتِ منه يلعب دوراً كبيراً في تحديد مآلك”. لذا من المهم للغاية الإشادة بالأمثلة الملهمة، كتشجيع لأولئك الذين يجتازون الصعوبات في المجتمع الألماني. وقال: “أعلم من تجاربي الخاصة أنَّ مَن يحملون اسماً تركياً سيتعين عليهم دوماً بذل ما هو أفضل، وسيكونون مُتابَعين عن كثب”.

إنَّها حقيقة محزنة. بعد قرابة نصف قرن على مجيء آباء أوزديمير وأكيون وج. شاهين إلى ألمانيا، ما يزال البلد يشعر بعدم ارتياح تجاه تاريخه المرتبط بالهجرة، وبعيداً عن توفير نفس الفرص للجميع. وهذا هو السبب الذي يجعل قصة نجاح د. شاهين ود. تورجي ضرورية في الوقت الراهن. فهي تُظهِر أنَّ نجاحات ألمانيا لا تنفصل عن المهاجرين الذين وصفوا هذا البلد بالوطن، سواء أكان ذلك في 1960 أو في 2020.

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأمريكية.

Comments are closed.