سامانثا سميث.. وماذا فعلت ابنة العاشرة لإنهاء الحرب الباردة؟

3

بينما كانت جين سميث تتلقى رسائل العزاء عقب فقدانها زوجها وابنتها «سامانثا سميث»، بعد وفاتهم في حادث طائرة مؤلم بالقرب من أوبورن، بولاية ماين الأمريكية، تفاجأت بوصول رسالة تعزية من رجلين لم تكن قد التقت بهما من قبل، هما رونالد ريغان، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وميخائيل جورباتشوف، قائد الاتحاد السوفيتي، والتي كانت تودع سامانثا من خلال كلمات ربما أكثر دفئا من أن تخرُج عن رجال سياسة وحرب.

«يجب أن تعلمي أن ملايين الأمهات والآباء والأطفال في روسيا يشاركونك هذه الخسارة المأساوية، سيكون أفضل شيء إذا واصلنا ما بدأته سامانثا بحسن نية وصداقة وحب، أشرقت سامانثا مثل شعاع الشمس الساطع في وقت كانت العلاقات بين بلدينا غائمة»

-نص رسالة النعي التي وصلت لجين سميث.

عفوية طفلة

في حدود العام 1982، كان التوتر قد بدأ يتصاعد بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، أثناء الفترة التي عرفت بالـ«حرب الباردة» بين الطرفين، حيث كانت كل المؤشرات تؤكد على احتمالية عالية لحدوث حرب نووية، قد تُنهي العالم تماما.

سارعت الطفلة الأمريكية سامانثا سميث لسؤال والدتها عما إذا كانت هنالك حرب في طريقها إلى أن تندلع، لم تمتلك الأم في هذه اللحظة سوى مواجهة طفلتها بالحقيقة، عن طريق منحها كل المعلومات الخاصة بالأحداث الجارية عن طريق مقال نُشر بمجلة «تايم».

ولأن سامانثا كانت لا تزال طفلة صغيرة، يبدو أن الفزع قد أصابها، لتذهب سريعا وتبدأ في كتابة رسالة، والتي قررت أن تبعثها مباشرة إلى يوري أندروبوف، رئيس مجلس السوفيت الأعلى في ديسمبر 1982.

كتبت سامانثا:

«اسمي سامانثا سميث، عمري 10 سنوات، مبروك عملك الجديد. 

 لقد كنت قلقة بشأن دخول روسيا والولايات المتحدة في حرب نووية، هل ستصوت لخوض حرب أم لا؟ إذا كنت تنوي عدم فعل ذلك، من فضلك، أخبرني كيف ستساعد على عدم خوض حرب؟ هذا السؤال ليس عليك الإجابة عليه، لكني أود أن أعرف لماذا تريد غزو العالم أو على الأقل بلدنا؟ خلق الله العالم لنا لنعيش معًا بسلام لا للقتال».

لم تتلق سامانثا أي رد على رسالتها، وهو أمر يبدو منطقيا، لكن في الربيع التالي، حدث ما لم يتوقعه أحد، حين نُشرت رسالتها بشكل غير متوقع في الصحيفة الروسية برافدا، تحديدًا بعد إعلان الولايات المتحدة عن برنامجها الصاروخي «حرب النجوم» وبعد أسبوعين من استخدام رونالد ريغان خطابًا أمام الرابطة الوطنية للإنجيليين لوصف الاتحاد السوفيتي بأنه «إمبراطورية الشر».

طبقا لماتيوس ناومان، الباحث في التاريخ الروسي بجامعة أنجليا الشرقية، كان توقيت نشر الرسالة مثاليا، حتى وإن حدث صدفةً، لأن السوفيت لم يكن بإمكانهم استكمال سباق التسلح في تلك الفترة، بالتالي كان لا بُد من الرد على الرسالة التي بعثتها الطفلة، حتى لا يُساء فهم توجهات الاتحاد السوفيتي، وكي تُحرم الولايات المتحدة من الظهور بمظهر الساعي للسلام، ولو مؤقتا.

في نفس الوقت، لم تكن سامانثا تهتم لكل هذه التوازنات، لكنها كانت قلقة فقط، لذلك قررت وبعدما تم تجاهل رسالتها أن تبعث بأخرى لأندروبوف، تخبره بأنها تظن بأن أسئلتها كانت واضحةً تماما، كما أنها تعتقد أن أسئلتها جيدة كذلك، بغض النظر عن أنها طفلة تبلغ من العمر 10 سنوات فقط.

تحوُّل

عقب ذلك بأسبوع واحد، في يوم 26 أبريل عام 1983، تلقّت سامانثا ردًا على رسائلها، كان نصه كالتالي:

«أنتِ قلقة بشأن إذا ما كانت هنالك حرب نووية قادمة بين بلدينا، وتتساءلين إذا ما كنا نسعى لأن نفعل أي شيء حتى لا تبدأ الحرب، سؤالك هو أهم الأسئلة التي يمكن أن يطرحها مفكر عظيم، لذلك سأجيبك بمنتهى الصراحة». 

«لا نريد الحرب، لا أحد في بلدنا ‑لا العمال ولا الفلاحون ولا الكتاب ولا الأطباء ولا الكبار ولا الأطفال ولا أعضاء الحكومة- حقيقة، نريد السلام، هناك أشياء أهم كزراعة القمح، والبناء والاختراع، وكتابة الكتب، والسفر إلى الفضاء، نحن نريد السلام لأنفسنا ولجميع شعوب الكوكب، من أجل أطفالنا ومن أجلك، سامانثا».

سامانثا سميث
زيارة سامانثا سميث للاتحاد السوفيتي صيف 1983

وأنهى أندروبوف رسالته بدعوة سامانثا سميث لأن تذهب إلى الاتحاد السوفيتي بالصيف، لتزور معسكر «أرتيك» الدولي للأطفال، لترى بنفسها أن جميع من بالاتحاد السوفيتي يسعى للسلام والصداقة.

بعد ترتيبات دقيقة بين الطرفين ‑الأمريكي والسوفيتي- انطلقت سامانثا في رحلة جوية صوب موسكو بيوليو، ليتم استقبالها بوفد صحفي عالمي لحظة وطئت أقدامها أرض روسيا، وكما هو مخطط، زارت سامانثا عددا من المناطق السياحية والتاريخية قبل أن تذهب إلى معسكر أرتيك، الذي شيد عام 1925 من أجل رعاية الأطفال المرضى من كل بقاع الأرض، والذي استخدم منذ إنشائه كأداة لتلميع واجهة الاتحاد السوفيتي إعلاميا.

لأنها مجرد طفلة

حقيقة لم تقابل سامانثا الرجل الذي دعاها، لكن طبقا للرواية السوفيتية، فأندروبوف كان يعاني من مرض شديد، وظل يعاني بالمستشفى حتى وفاته شهر فبراير من العام التالي، وهذا ما لم يتركه الإعلام الأمريكي يمُر مرور الكرام، حيث وصف المتشددون دعوة أندروبوف لسامانثا بالـ«بروباجاندا».

سامانثا سميث
ميخائيل جورباتشوف ورونالد ريجان

تاريخيا؛ لا تعدّ زيارة سامانثا لموسكو حدثا مؤثرا في سير الحرب الباردة بين البلدين، لأن المناوشات استمرت بين الجانبين على مدار السنتين التاليتين، حتى وصل الأمر لذروته حين أخطأت القيادة السوفيتية تقدير المحاكاة التي قام بها حلف الناتو والتي عرفت باسم «Able Archer 83»، واعتبارها تحركا حقيقيا يهدف للهجوم على روسيا، بالتالي قام الجانب السوفيتي بتحميل الطائرات بالقنابل النووية، ومنح إشارة الاستعداد للغواصات القابعة بالمحيط الأطلنطي.

في النهاية؛ لم تبدأ الحرب، بعدما وصل الجانبان لتسويات سياسية في أعقاب أزمة الصواريخ الكوبية، ليبدأ فصل جديد من العمل السياسي بالتقاء جورباتشوف وريجان في جنيف خلال القمة التي شهدت تطورًا بخصوص فرض حالة من السلام بين الطرفين.

لم تشهد سامانثا سميث اليوم الذي انتهت به الحرب الباردة، فقد لقيت حتفها ووالدها بحادث طائرة في 1985، لكن حادث وفاتها حمل وقعا ثقيلا على مسامع السوفيت والأمريكان على حد سواء، الذين أعلنوا حالة حداد عامة حزنا على وفاة الطفلة البريئة التي سعت لتحقيق السلام دون أي حسابات.

Comments are closed.