كيف يخطط الجيش الروسي لشن حرب تستهدف حلف الناتو؟

2

يتردد مصطلح حروب الجيل الرابع بكثافة في العقد الأخير، فماذا تعني حرب “الجيل الجديد” التي نبعت من الاعتراف بأن تكتيفات “المعركة العميقة”، التي تعود إلى الحقبة السوفييتية وتشدِّد على نشر تشكيلاتٍ مُدرَّعة ضخمة للقتال، لم تعد قابلة للتطبيق؟

مجلة National Interest الأمريكية نشرت تقريراً بعنوان: كيف يمكن لروسيا أن تشن حرباً على الناتو؟”، ألقى الضوء على طبيعة الجيش الروسي حالياً وخططه لكيفية شن الحرب على حلف الناتو، اعتماداً على معلومات الجيش الأمريكي.

ما هي مجموعة الحرب غير المتكافئة؟

أُنشِئت مجموعة الحرب غير المتكافئة، التابعة للجيش الأمريكي، في العام 2006، لتحديد الثغرات في العقيدة العسكرية الأمريكية، علاوة على معدات الجيش والتكتيكات الميدانية، وبغرض دراسة كيف يطوِّر الخصوم المُحتملون تكتيكاتهم لاستغلال هذه الثغرات، وفي العام 2017، أطلقت المجموعة كتيباً بعنوان “كتيب حرب الجيل الروسي الجديد” يتألَّف من 61 صفحة، ويقوم على التكتيكات الروسية في أوكرانيا، وبدرجةٍ أقل في سوريا، علاوة على البيانات المنشورة والعامة. 

يرسم الكتيب صورةً مخيفة لجيشٍ مستعدٍ للجمع بين نقاط القوة القديمة في المدفعية والأنظمة المضادة للطائرات من ناحية، والتقنيات والتكتيكات الجديدة من ناحيةٍ أخرى، حيث الاستفادة من الطائرات المُسيَّرة، والحرب الإلكترونية، وحرب المعلومات، ونيران القنَّاصة، وللتوضيح، لا يهدف الكتيب إلى تصوير الجيش الروسي باعتباره قوةً طاغيةً لا تُقهَر. 

الجيش الروسي

في الواقع، تأسَّسَ ما يُسمَّى بحرب “الجيل الجديد” أو “الجيل الرابع” على أساس الاعتراف بأن تكتيفات “المعركة العميقة”، التي تعود إلى الحقبة السوفييتية، والتي تشدِّد على نشر تشكيلاتٍ مُدرَّعة ضخمة للقتال، لم تعد قابلة للتطبيق، نظراً لموارد روسيا المحدودة مقارنةً بالجيش الأحمر السوفييتي، فضلاً عن دونية هذه الموارد الآخذة في التردي.

ورغم التقدُّم في الاحترافية، لا يزال الجيش الروسي يتألَّف إلى حدٍّ كبيرٍ من المُجنَّدين الذي يخدمون لثمانية أشهر، بعد أربعة أشهر من التدريب الأساسي، ومن ثم تتناوب مجموعةٌ جديدة من المُجنَّدين الجدد. تحتفظ القوات المُسلَّحة بقيادةٍ وسيطرةٍ مركزية الهيكل، ما يمنح الأفراد المُجنَّدين وضباط الصف قدرةً ضئيلةً على التصرُّف بمبادرتهم الخاصة. 

بالطبع يحاول كتيب مجموعة الحرب غير المتكافئة فهم حرب الخصم من الخارج، بدلاً من التفكير في كيفية إدراك الجيش الروسي لتكتيكاته الخاصة، وسوف يتأثَّر مثل هذا الجهد بالتحيُّزات الثقافية للمُحلِّلين ووجهات نظرهم للعالم، فضلاً عن درجةٍ من جنون العظمة المتأصِّلة في المهن العسكرية. 

لتناول مثالاً عسكرياً، فإن مفهوماً روسياً عن “الحرب المختلطة”، أو ما يُسمَّى بعقيدة جيراسيموف -وهو مصطلحٌ يُستخدَم لوصف مزيجٍ من الحرب التقليدية وغير النظامية وكذلك الحرب السياسية والسيبرانية- قد صِيغَ في الواقع لوصف ما يتصوَّره الجيش الروسي عن التكتيكات العسكرية الغربية. 

تتطوَّر الوحدات الروسية الحديثة إلى تشكيلاتٍ أصغر وأكثر مرونة: 

الوحدة العسكرية الروسية الأساسية الجديدة هي مجموعة الكتيبة التكتيكية، التي يمكن تصميمها لمهام مُحدَّدة من خلال إضافة وحدات مضادة للطائرات والحرب الإلكترونية والمدفعية. 

فلاديمير بوتين/ رويترز

وعلى المستوى التشغيلي، ابتعدت روسيا عن القوات المُنظَّمة حول فِرَقٍ كبيرة، متجهةً إلى الألوية الأصغر والتي لا تزال تعمل جيداً، رغم أنه قد يُعاد التأكيد على مستوى الفِرَق قريباً لتخفيف الأعباء الإدارية. 

تفضِّل موسكو الاعتماد على الوكلاء المحليين لتحمُّل عبء القتال: 

تستخدم موسكو بشكلٍ متزايد القوات غير النظامية المتحالفة معها، وشركات المرتزقة الخاصة، لقيادة العمليات في أوكرانيا وسوريا، بدعمٍ من المستشارين الروس والمعدات العسكرية الروسية، فضلاً عن التدريب الروسي. ويُستوحَى هذا النهج جزئياً من الإشراك الغربي لوكلاء الحلفاء في نزاعاتٍ تتراوح من فيتنام إلى ليبيا وأفغانستان. 

وكما يطرح كتيب الحرب غير المتكافئة، فإن الوكلاء يخلقون العديد من التأثيرات المفيدة للعمليات العسكرية الروسية الناجحة، حيث الارتباك، والإنكار، والقوى البشرية الإضافية. 

مرتزقة فاغنر الروسية في ليبيا/رويترز

ويخفِّف الوكلاء المحليون العبء من على الوحدات العسكرية الروسية التقليدية من أجل التدخُّل في القطاعات التي تشتد الحاجة إليها فيها. ويساعد الوكلاء المحليون أيضاً في إرساء قشرة خارجية من الشرعية السياسية للعمليات العسكرية الروسية. وفي الواقع، تركِّز موسكو مجدَّداً على “حرب المعلومات” لتشكيل التضاريس البشرية لمنطقة الصراع لصالحها. 

وأخيراً، تستخدم روسيا الوكلاء لإنكار تورُّط قواتها، مِمَّا يربِك ردود فعل خصومها. كان هذا واضحاً بشكلٍ خاص في الصراع في أوكرانيا، عندما كان ردُّ فعل الحكومة مشلولاً في البداية بسبب التشكُّك بشأن ما إذا كانت تواجه غزواً روسياً أم انتفاضة محلية صرفة. 

أما في سوريا، فغالباً ما يكون هناك تشكُّكٌ بشأن ما إذا كانت القوات السورية أو الروسية قد نفَّذَت أيَّ هجومٍ مُوجَّهٍ ضد أهدافٍ معينة. 

تستخدم موسكو الحرب الإلكترونية وعمليات المعلومات لأغراضٍ هجومية: 

استثمرت موسكو بدرجةٍ لا تُضاهى في جهاز حرب المعلومات المُصمَّم من أجل التلاعب بالرأي العام الأجنبي، واختراق أنظمة الكمبيوتر المعادية، لتحقيق غاياتٍ سياسية وعسكرية. 

وحملات القرصنة والمعلومات المُضلِّلة هذه لها ثمارٌ مُحتَمَلة كبيرة، وتُنفَّذ بمخاطر محدودة بالنسبة لروسيا، لأن الأنظمة السياسية المفتوحة للخصوم الغربيين تقيِّد قدرتهم على الانتقام. وعلى النقيض من ذلك، فإن الهيكل الاستبدادي في روسيا يُسكِت المعارضة السياسية ووسائل الإعلام المستقلة التي يمكن أن تقوِّض الحملات المعلوماتية وتعرض فلسفة السخرية العالمية لغرس الشكِّ في الدعاية المضادة. 

وحدات قتالية روسية

وتُوظِّف موسكو المئات من المخترقين المحترفين والمُتصيِّدين على الإنترنت، علاوة على أنها تفرِط في توظيف مجموعاتٍ إجرامية ذات خبرة لمثل هذه العمليات. وفي حين أن الدعاية التي تولِّدها مصادر منخفضة المستوى قد تكون متناقضة، إلا أنها لا تزال تلعب على أوتار نفس الموضوعات (المجتمع الغربي على وشك الانهيار، ولا توجد قواتٌ روسية في أوكرانيا، وما إلى ذلك)، مِمَّا يساعد في قولبة الرأي العام الدولي في السرديات المُفضَّلة لدى موسكو. 

يعتمد الجيش الروسي على المدفعية لتدمير تشكيلات العدو: 

وفقاً للكتيب، يعود ولع روسيا بـ”إله الحرب” إلى قرونٍ عدة، ولا تزال التكتيكات الروسية تشدِّد على المدفعية باعتبارها أداةً حاسمةً لتدمير تشكيلات العدو، بينما تتولَّى وحدات المناورة إبادة الناجين. 

وبينما يمكن لمركبات المدفعية ذاتية الدفع مرافقة القوات في مناوراتٍ هجومية، يسعى الجيش الروسي الآن بشكلٍ عام إلى إبقاء العدو على مسافةٍ من مواقعه في الخطوط الأمامية حتى تتمكَّن المدفعية من قصف قوات العدو دون إصابة القوات الصديقة. 

لطالما استخدمت موسكو أسلحةً أكبر وأكبر كوسيلةٍ للتعويض عن التدريبات الأقل جودةً لقواتها. وفي حين أن الجيوش الغربية تستخدم المدفعية بشكلٍ متزايدٍ لشنِّ ضرباتٍ دقيقة ضد مواقع العدو، لا يزال الجيش الروسي قادراً على القصف على نطاقٍ واسعٍ بأحجامٍ هائلة من القوة النارية. 

في أوكرانيا، ورد أن الاعتماد واسع النطاق على الطائرات المُسيَّرة كان بمثابة “تغييرٍ في قواعد اللعبة” في فاعلية المدفعية. أطلقت القوات المدعومة من روسيا، باستخدام مراقبة الطائرات المُسيَّرة، نيران المدفعية القاتلة ضد التشكيلات الأوكرانية أثناء الحركة التي تسبَّبَت في مقتل أكثر من مئة شخص في هجومٍ واحد. 

ومع ذلك، فإن ضعف المدفعية الروسية يتمثَّل في هيكلها المركزي للقيادة والتحكُّم، مِمَّا يجعل من الصعب على القوات في الخطوط الأمامية طلب مهام إطلاق النار. 

تنشر القوات المدعومة من روسيا الكثير من القنَّاصين: 

اشتهر الجيش الروسي منذ الحرب العالمية الثانية باستخدام القنَّاصين على نطاقٍ واسعٍ لتقويض معنويات أعدائه والقضاء على قادة الوحدات الرئيسية. وفي العقود الماضية، أعادت موسكو الاستثمار في وحدات قنَّاصة النخبة من خلال الحصول على بنادق قنصٍ وذخيرة حديثة، فضلاً عن إنتاج بندقية قنص T-5000. 

وفي أوكرانيا، نشرت القوات الروسية وحدات قنَّاصة، بحجم فصيلةٍ، في العمق على جبهاتٍ ضيِّقة، حيث انتشر قنَّاصو النخبة بشكلٍ أكبر على مسافة ميلٍ واحد في الخلف، بينما يحرس الوكلاء المحليون الخطوط الأمامية. 

ويمكن أن تحدِّد جبهات القنَّاصة هذه تشكيلاتٍ أكبر للعدو وتصيبها بنيران دقيقة -ثم تستدعي الضربات المدفعية على العدو لإلحاق خسائر أكبر به. يطرح الكتيب ردَّين تكتيكيَّين فقط: إما فك الارتباط على الفور، حتى على حساب الخسارة المُحتَمَلة لبعض الضحايا، لتجنُّب التعرُّض لضربةٍ مدفعية، وإما الرد بنيران قنص دقيقة أو نيران أسلحة ثقيلة. 

تهدِّد الحرب الإلكترونية الاعتماد على الاتصالات وأجهزة الاستشعار 

تعتمد الجيوش الغربية على بنيةٍ تحتية واسعة للقيادة والتحكُّم والتتبُّع شبه الفوري لمواقع القوات. ومع ذلك، فإن الحرب الإلكترونية الروسية تستخدم العديد من الأنظمة للتشويش أو التجسُّس على أنظمة الاتصالات في الخطوط الأمامية -بما في ذلك الراديو، والهاتف الخلوي، والأقمار الصناعية، وحتى تقنية تحديد المواقع GPS.

Comments are closed.