كيف يمكن لإدارة بايدن التصدي لسلوك إسرائيل المزعزع للاستقرار في الشرق الأوسط؟

2

لم تعلن أي جهةٍ مسؤوليتها عن اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زادة، لكن لا أحد غير إسرائيل يمتلك الدافع والقدرة على مثل هذه العملية، والسؤال الذي تواجهه إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن: كيف يمكن التصدي لسلوك إسرائيل المزعزع للاستقرار في الشرق الأوسط؟

موقع Responsible Statecraft الأمريكي نشر تقريراً بعنوان: “التصدي لسلوك إسرائيل المزعزع للاستقرار”، أعدَّه بول بيلر وهو محرر لدى مجلة The National Interest الأمريكية وعَمِلَ مدة 28 عاماً في الاستخبارات الأمريكية.

مَن غير إسرائيل يغتال علماء إيران؟

ما تزال المسؤولية عن اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زادة محل تكهنات على الصعيد الرسمي، لكن من المرجح للغاية أن تكون إسرائيل هي مَن ارتكبته. فإسرائيل لديها الدافع، والوسائل، والإقدام. ولديها أيضاً سجلٌّ قديم، لا يضم فقط سلسلة من عمليات القتل لعلماء نوويين إيرانيين آخرين قبل نحو ثماني سنوات، بل أيضاً آلة قتل تُستخدَم على نطاق أوسع وجعلت من إسرائيل قائدة للعالم في الاغتيالات المستهدفة.

إيران اتهمت إسرائيل باغتيال فخري زادة بضوء أخضر أمريكي/ رويترز

لم يكن قتل فخري زادة ضربة لحظر الانتشار النووي، ولن يكون لموت أي فردٍ تأثير كبير على البرنامج النووي الإيراني. فعمل فخري زادة على سلاح نووي محتمل قد تم في الماضي، قبل أن تُعلِّق طهران هذا العمل منذ نحو 17 عاماً، لكنَّ المعرفة الموجودة على الأرفف تبقى، حتى لو لم يعد هذا الرجل موجوداً.

لم تستبق عملية القتل هجوماً إيرانياً أو أي عمل إيراني آخر غير مرغوب؛ بل الأكثر ترجيحاً أن تؤدي إلى تحفيز مثل هذا الهجوم الإيراني. فإيران، التي لا تملك أسلحة نووية وتُعَد طرفاً في معاهدة حظر الانتشار النووي، ملتزمة بعدم الحصول على أي أسلحة نووية أبداً، وأغلقت المسارات المحتملة كافة نحو الحصول على قنبلة، قبل بضع سنوات، من خلال “خطة العمل الشاملة المشتركة”.

إسرائيل وترسانتها النووية الغامضة

والتناقض مع الدولة التي قتلت فخري زادة صارخ، إذ يُعتقد بشكل عام، أنَّ إسرائيل، التي ليست طرفاً في معاهدة حظر الانتشار النووي، تملك ترسانة نووية كبيرة. وقد حصلت على هذا المخزون بشكل سري، بمعزل عن أي تدقيق دولي أو إطار تنظيمي، ولم تعترف إسرائيل قط بامتلاكه.

وعملية الاغتيال الأخيرة لم تخدم هدفاً يمكن مقارنته، على سبيل المثال، بقتلِ إرهابيٍّ خارج الحدود؛ بل كان الاغتيال نفسه عملاً إرهابياً. فهو بالتأكيد يستوفي التعريف الرسمي الذي تستخدمه وزارة الخارجية الأمريكية في جمع الإحصاءات عن الإرهاب الدولي، وهو أنَّه “العنف المتعمد بدوافع سياسية، والمُرتكَب ضد أهداف غير قتالية، من جانب مجموعات دون وطنية أو عملاء سريين، عادةً بهدف التأثير على الجمهور”.

مفاعل ديمونة النووي – إسرائيل

ويمثل عدم الإقرار بهذه الحقيقة وفي الوقت نفسه إدانة الإرهاب في سياقات أخرى أو الذي يرتكبه فاعلون آخرون، ازدواجاً للمعايير. وتصبح المعايير المزدوجة أوضح ما يكون إذا ما تخيَّلنا رد الفعل الذي سيكون في حال كانت إيران- أو أي طرف آخر- اغتالت عالماً نووياً إسرائيلياً، أو أمريكياً.

ويُعَد الهدف الواضح لحكومة نتنياهو- بتشجيعٍ من إدارة ترامب المنصرفة ربما- هو تخريب دبلوماسية إدارة بايدن مع إيران ومساعي العودة للالتزام بالاتفاق النووي.   

أمامنا طريق خطير

تعتمد المرحلة المقبلة في هذه القصة على رد الفعل الإيراني. فإذا قاومت القيادة الإيرانية الغضب المفهوم من الإيرانيين والرغبة في الانتقام، فسيكون نتنياهو على أقل تقدير، قد أهان إيران وأظهر أنَّها ضعيفة. لكنَّ السيناريو المفضل لديه سيتمثل في أن تقوم إيران بعمل شيءٍ ما انتقاماً، وهو ما يمكن بدوره أن يصبح مُسوِّغاً لتصعيد العمل العسكري ضد إيران من جانب إسرائيل، وعلى وجه الخصوص من جانب الولايات المتحدة.

ولا بد أنَّ حقيقة أنَّ الرئيس ترامب نظر في إمكانية شن ضربة على إيران قد دفعت نتنياهو إلى استنتاجٍ مفاده أنَّ أمامه فرصة جيدة لإثارة مواجهة عسكرية كهذه تماماً، وهي ما ستكون أكثر أساليبه فاعلية حتى الآن لتدمير دبلوماسية الإدارة الأمريكية القادمة، بصورة استباقية.

هل يكون ضبط النفس على اغتيال فخري زادة عنوان المرحلة لدى القادة الإيرانيين حتى تنصيب جو بايدن؟

وكانت إثارة إيران واستفزازها بالفعل جزءاً من حملة إسرائيلية قبل قتل فخري زادة وقبل الانتخابات الأمريكية، وربما كان أحد جوانب تلك الحملة سلسلة من التفجيرات التي لم يتبنَّ مسؤوليتها أي طرف في إيران هذا الصيف.

وروَّجت حكومة نتنياهو باستمرار لعداء مطلق لا نهاية له تجاه إيران، يهدف إلى إبقائها منبوذة ومُعاقَبة ومكروهة إلى الأبد. وهذه الحملة من المواجهة الدائمة تُبقي منافساً إقليمياً محتملاً ضعيفاً، وترمي إلى إبعاد راعية إسرائيل، الولايات المتحدة، عن ممارسة أي عمل دبلوماسي أو غيره مع طهران.

ويساعد إبقاء إيران بعبعاً دائماً تُلقى عليه اللائمة في كل خطأ يحدث بالشرق الأوسط، على إبعاد الأطراف الأخرى عن تحمُّل اللوم في هذه الأخطاء، لاسيما إسرائيل. وتنعكس قيمة هذا البعبع باعتباره وسيلة إلهاء عن كل شيء بالنسبة لحكومة نتنياهو، في عدد المرات التي تردّ بها تلك الحكومة على الانتباه غير المُرحَّب به الذي يُسلَّط على سلوكها، من خلال ادعائها بالقول: “لكن المشكلة الحقيقية هي إيران”.  

وبسبب حملة الشيطنة الإسرائيلية هذه، جزئياً وليس كلياً بأي حال من الأحوال، تتم مناقشة السلوك الإيراني بصفة روتينية في الولايات المتحدة باستخدام عبارات مختزلة تشير إلى سلوك إيران “الخبيث” أو “المزعزع للاستقرار” ودعم الإرهاب. يحجب هذا الاختزال عدم الانتباه إلى ما فعلته إيران بالضبط وما تزال تفعله. فلا يُظهِر أنَّ معظم ما تقوم به إيران في المنطقة رد فعل على ما يفعله الآخرون، وضمن ذلك رداً على ما فعلته إسرائيل باستخدام الإرهاب أو بأي عمل تدميري آخر.

ووفق أي معيار موضوعي للسلوك المزعزع للاستقرار، كانت إسرائيل في الفترات الأخيرة مزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط بقدر إيران على أقل تقدير، وربما أكثر منها، وينطبق هذا على الإرهاب والتخريب والعمليات السرية الأخرى، مثلما تجلى مؤخراً باغتيال فخري زادة.

وهو ينطبق على استخدام الوكلاء العنيفين، الذين يشملون في حالة إسرائيل مجموعة إرهابية/طائفة إيرانية يداها ملطختان بالدماء الأمريكية. وهو ينطبق على الأعمال العسكرية العدائية عبر الحدود الدولية- وضمن ذلك في سوريا- والتي تختلف كثيراً عن علاقة توافقية تُقدَّم فيها المساعدة العسكرية دعماً لحكومة قائمة وبالتحالف معها.

تحدٍّ سياسي لإدارة بايدن

يمثل كل هذا حقيقة قاتمة لإدارة بايدن القادمة فيما تبلور علاقتها مع إسرائيل. يراهن الخبراء في واشنطن على أنَّ بايدن لن ينفق كثيراً من رأسماله السياسي الثمين في محاولة إحراز تقدُّم في حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني المستمر منذ عقود. وهذا سيئ جداً للفلسطينيين وللعدالة ولحقوق الإنسان، لكنَّه سيئ جداً أيضاً للاستقرار الإقليمي، لاسيما بالنظر إلى أنَّ إخضاع إسرائيل للفلسطينيين لطالما كان دافعاً رئيسياً للتطرف والإرهاب.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس

لكنَّ زعزعة الاستقرار تتجاوز الصراع الفلسطيني بكثير، وتشمل الإرهاب والتخريب والاستفزازات الإسرائيلية التي تستهدف إيران. وأقتم الحقائق القاتمة هي أنَّ حكومة إسرائيل الحالية لا تحاول بنشاطٍ تخريب السياسة الخارجية للإدارة الجديدة وحسب، بل تحاول أيضاً جرَّ الولايات المتحدة إلى حرب جديدة بالشرق الأوسط.

وهذا عمل غير ودي، وسيتعين على إدارة بايدن، بطريقةٍ ما، أن تضع هذا في الحسبان عند بلورة علاقة ثنائية. وبإمكان إدارة بايدن البدء بأن تكون نزيهة بشأن مصادر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.

Comments are closed.