ماري ترامب: أنا والأطباء النفسيون فقط نعرف مشكلة عمي

3

في عام 1964، نشرت مجلة Fact استطلاعاً لا يقوم على أسس علمية يسأل الأطباء النفسيين عن رأيهم في الحالة النفسية للمرشح الجمهوري، باري غولدووتر، ومدى تأهله النفسي لتولي منصب رئيس الولايات المتحدة. ولم تكن المشكلة أن الأطباء الخبراء شعروا بضرورة إبداء آرائهم فيما اعتبروه أفكار غولدووتر الخطيرة؛ بل كانت التحليلات غير المسؤولة والغريبة، في معظمها، التي كانت في بعض الحالات تستند بالكامل إلى تخمينات. إذ قال أحدهم: “غولدووتر مصاب بجنون العظمة والفصام” و”يشبه ماو تسي تونغ”. وقال آخر إن له “التكوين النفسي ذاته لهتلر وكاسترو وستالين وغيرهم من القادة المعروفين المصابين بالفصام”. وقال ثالث إن “شخصية غولدووتر يهيمن عليها جنون العظمة”.

ومن حرجها، استحدثت الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA)، رداً على هذا الفشل الذريع، “قاعدة غولدووتر”، لتمنع أعضاءها من تحليل الشخصيات العامة نفسياً. وخلصت إلى أنه “لا يصح أخلاقياً أن يقدم الطبيب النفسي رأياً مهنياً دون إجراء فحص وامتلاك الإذن اللازم لمناقشة هذا الرأي على الملأ”. وهذا منصف إلى حد كبير. لكن في مارس/آذار عام 2017، بعد فترة وجيزة من تنصيب عمي، دونالد ترامب، لم تؤكد الجمعية الأمريكية للطب النفسي التأكيد على هذه القاعدة فحسب بل جعلتها أكثر شمولاً. فلم تمنع أعضاءها من تحليل الشخصيات العامة فحسب، بل لم يعد بإمكانهم الآن تقديم رأي مهني من أي نوع، مهما كان مدعوماً بالأدلة، حتى لو كانوا يعتقدون أن شخصية عامة تشكل تهديداً لمواطني الدولة أو أمنها القومي.

وهذا أمر سخيف في ظاهره وله عواقب وخيمة على سلامة الشعب الأمريكي. فرغم أن التشخيص النفسي عملية فنية، فمن الممكن جداً استخلاص نتائج بناءً على سلوك يمكن ملاحظته. إذ إن الإعلان بشكل قاطع عن إصابة أحدهم باضطراب الشخصية المعادية للمجتمع (مصطلح تشخيصي محدد) شيء؛ والإشارة إلى سلوكيات- مثل تعمد وضع أشخاص آخرين في طريق الأذى دون سبب واضح يتجاوز المصلحة الشخصية- ومناقشة استنتاج عام مفاده أنه من الخطر وجود شخص في المكتب البيضاوي لا يمكنه التعاطف مع الآخرين أبداً.

وقالت الجمعية الأمريكية للطب النفسي أيضاً إن”الأطباء النفسيين يندرجون تحت مسمى الأطباء؛ وتقييم المرض النفسي لا يقل أهمية عن تشخيص مرض السكري أو أمراض القلب”.

وهذا صحيح، ولكن ما الذي قد يقوله طبيب القلب إذا تكررت إصابة الشخصية العامة بنوبات قلبية؟ هل من الضروري أن تخضع لنظام تشخيص “شامل” حتى يتمكن الطبيب من التكهن باحتمال وجود مشكلة قلبية؟ وإذا كان هذا الشخص الذي يعاني من النوبات القلبية طياراً رفض تلقي العناية الطبية، ألن يكون من الخطأ الامتناع عن مناقشة الأمر علناً؟ ولن نبالغ إذا قلنا إن سلوك دونالد النفسي مثير للقلق بالقدر نفسه، مثلما ثبت مؤخراً استهتاره المريع بصحته وصحة من حوله بعد مغادرته مستشفى والتر ريد وهو ما يزال مصاباً بفيروس كورونا، أو وهو ينظم تجمعات انتخابية ويشجع الآلاف من الناس على الحضور دون ارتداء كمامات أو التزام التباعد الجسدي ليرضي غروره.

وتجدر الإشارة إلى أن الجمهور الأمريكي لا يتمتع بالثقافة الكافية عن الصحة النفسية. والأمر سيتطلب شرحاً وافياً جاداً ومستداماً، مدعوماً بسلطة وخبرة هيئة مهنية، لمساعدتنا على فهم سبب أهمية الاستقرار العاطفي والنفسي لقادتنا وكيف أن له تأثيراً علينا جميعاً. والخبراء القانونيون يناقشون آراءهم يومياً عن تصرفات دونالد غير الدستورية أو المخالفة للمعايير. ومنذ تشخيص إصابته بكوفيد-19، بدأ الأطباء الخبراء في الحديث عن مسار مرضه والآثار الجانبية الخطيرة المحتملة التي قد يعاني منها نتيجة العلاجات التجريبية التي تلقاها. وكان التهميش من نصيب خبراء الصحة النفسية وحدهم.

وهذا لا يعني أن الآراء لم تكثر عن صحة دونالد النفسية. بل يبدو أحياناً أن الجميع باستثناء الأطباء النفسيين قد عبروا عن آرائهم في حالة ترامب: فقد وصف ريك ويلسون، أحد مؤسسي مشروع لنكولن، حالة دونالد بأنها “مزيج من هلاوس اليقظة، والتشنجات اللفظية اللاإرادية، والأكاذيب التي تتجاوز حتى مستواه المعتاد في الكذب، والتلعثم في الكلام والزلات الجنونية”.

وهذه مشكلة. ليس بالضرورة لأن توصيفات مثل هذه تفتقر إلى التأكيد، ولكن لأنها قد تقلل دون قصد من خطورة الحالة حين يفشل الخبراء في توفير سياق مناسب لفهم الحالات النفسية. وإذا عدنا إلى السنوات الثلاث والنصف الماضية، فسنجد أن دونالد كذب علناً أكثر من 20 ألف مرة؛ وخالف بشكل متهور، وضد كل منطق، نصيحة الخبراء الذين كان بإمكانهم المساعدة في احتواء الجائحة وحماية الاقتصاد؛ وعرّض مواطنين عاديين للخطر بمهاجمتهم على تويتر لأنهم انتقدوه؛ وأثبت أنه لا يمكنه تحمل المسؤولية أو تغيير المسار أو إظهار التعاطف. وكما كتبت كورتني فينجار مؤخراً في مجلة New Statesman: “بإمكان الجمهور ملاحظة كل هذه الأمور أيضاً، لكنه يفعل ذلك إلى حد كبير دون ترجمة أو تفسير من خبراء حقيقيين”.

إن خطاب وسلوك دونالد ترامب لهما تأثير هائل ودور آخذ في التضخم في الحياة اليومية لأكثر من 300 مليون أمريكي، وأكثر منهم بكثير في العالم برمته. ونحن، في هذا الصدد، على علاقة من نوع ما معه، حتى وإن كانت تلك العلاقة أحادية الجانب على نحو يتعذر تجنبه. وفي حين أنه يستحيل تشخيص إصابته بهذا الاضطراب بالمعنى الطبي المهني –لأن التشخيص عملية صارمة تتطلب اتباع خطوات معينة وجمع بيانات معينة عن الخاضع للتشخيص بطريقة شديدة التحديد- فإن تحويل تركيزنا من التشخيص إلى التأثير الذي يُمكن أن يحدثه السلوك غير المستقر والاندفاعي والمضطرب نفسياً على من هم في علاقة مع شخص يعاني تلك المشكلات، بغض النظر عن كونها علاقة أحادية الجانب أو غير طوعية، ليس تركيزاً مفيداً فحسب لكنه ضروري ولا مفر منه.

أنا متخصصة مؤهلة في علم النفس الإكلينيكي، وعملت أخصائية نفسية. وأقول لكم لو كان دونالد ترامب قد دخل مكتبي لإجراء تقييم نفسي له، لكنت قد جمعت معلومات عنه من مقابلة عادية أقل مما يُمكنني جمعه من ساعات لا حصر لها من مقاطع الفيديو والمقابلات المتوفرة عبر عقود من ظهوره العام. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه في كثير من الأحيان عندما لا تتوفر تقارير ذاتية عبر المريض –لأن المريض إما غير قادر وإما غير راغب في تقديم معلومات عن نفسه- فإن الطبيب يلجأ إلى الدائرة المقربة من المريض لملء الفراغات. ومع ذلك، فإننا لا نحتاج إلى شيء من ذلك في الحالة التي بين أيدينا، لأن ثمة تسجيلات متوفرة بالفعل تبيّن سلوك دونالد ترامب غير المتزن والاندفاعي والتدميري والمتّسم بصفات شخصيةٍ تعاني اضطرابات الانهزام ذاتياً/المازوخية، وهي صفات من المرجح أنها لم تكن لتظهر في بيئة الفحص الإكلينيكية.

يقول الدكتور آلان ستون، أستاذ الطب النفسي بجامعة هارفارد، إن “الأطباء النفسيين، بوصفهم مواطنين عاديين، يتمتعون بحرية التعبير عن آرائهم، لكن ليس بصفتهم المهنية”. وما أقصد إليه أن الأطباء النفسيين بأفرادهم لديهم الأهلية ويمكنهم التحدث إذا أرادوا ذلك. لكن لإجراء محادثة موضوعية وفعالة حول مدى أهلية دونالد ترامب لتولي منصب الرئاسة، سيجب في البداية وضع أسس معينة من قبل هيئة حاكمة يمكنها تغطية القضايا الشاملة ذات الصلة بطريقة أكثر فاعلية.

وفي الختام أقول إن تبني موقف محايد نظرياً في هذه الحالة لا يؤدي إلى خلق فراغ في موضع يجب أن يُحتكم فيه إلى الخبرة المهنية فحسب، بل يعمل على التطبيع مع السلوك المختل. ومن المثير للمفارقة، أن الكلام الدائر حالياً يبدو ذاهباً في اتجاه أن الحديث عن المرض العقلي هو المشكلة، في حين أن حقيقة الأمر هي أن البقاء صامتين بشأن الاضطراب النفسي الواضح لشخصية دونالد ترامب هو الذي يمثل بالفعل وصمة عار. كما أنه بادعاء “الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين” أن صمتها هو نوع الحياد الطبيعي، فإنها بصورة فعلية تمنح حملة ترامب نوعاً من من المساهمة العينية المباشرة، وذلك في الوقت الذي يظل فيه الشعب الأمريكي خاضعاً لسلوكه المختل وغير القابل للتوقع في كثير من الأحيان، دون أن يمتلك حقه الطبيعي في امتلاك الأدوات اللازمة لتقييمه أو فهم الأسباب التي تجعله غير لائق لتولي المنصب الذي يشغله.

  • هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Washington Post الأمريكية.

Comments are closed.