“محاكمة 7 من شيكاغو”.. ما هي رسائل الفيلم الخفية؟

2

“إذا كان الدم سيتدفق، فليتدفق في جميع أرجاء المدينة”.

  • توم هايدن، القيادي باللجنة الوطنية للتعبئة من أجل إنهاء الحرب في فيتنام

هكذا حرّض توم هايدن (إيدي ريدماين)، القيادي باللجنة الوطنية للتعبئة من أجل إنهاء الحرب في فيتنام، المتظاهرين بعد تعرض رفيقه ريني ديفيس (أليكس شارب) للضرب والسحل من قِبل الشرطة، ولكنّ هايدن يوضّح في فيلم “محاكمة السبعة في شيكاغو”، أنّ هذا التحريض لا يعني أن تُراق دماء الآخرين، بل دماء المتظاهرين أنفسهم، فداءً لقضيتهم وحفاظاً على نهج اللاعنف الذي يتّبعون.

ثورة الشباب

هايدن الذي وقف احتراماً للقاضي جوليوس هوفمان (فرانك لانجيلا) عكس بقية المتهمين، فيما يُعرف بمحاكمة السبعة في شيكاغو، لم يكن يتشارك التفكير ذاته مع بقية المتهمين، مثلما لم يكن هؤلاء يتشاركون الأيديولوجيا والتوجهات ذاتها، وإن كانوا جميعاً يسعون لهدفٍ واحدٍ: الضغط على المؤتمر الديمقراطي الوطني “مؤتمر الحزب الديمقراطي” لإدانة الحرب على فيتنام والسعي لإنهائها فوراً.

من بين هؤلاء برز اسم آبي هوفمان (ساشا بارون كوهين) أحد مؤسسي حزب الشباب الدولي “يبيز”، حيث كان يؤكد -عكس الديمقراطي هايدن المؤيد لبوبي كينيدي وللتغيير عبر صناديق الاقتراع- مراراً أهمية ودور الثورة الثقافية في صناعة وعيٍ جديدٍ لدى الشباب. وهو ما سعى إليه مع رفيقه في الحزب جيري روبن (جيريمي سترونغ)، مستدعين أنماطاً ثقافيةً وحياتيةً واكبت ثورة الشباب، التي غزت أمريكا وأوروبا نهاية ستينيات القرن العشرين، من تحررٍ جنسيٍّ وتمردٍ على النظام الأبوي (البطريركي). إضافة إلى سعيٍ حثيثٍ لهدم بنيان النظام الرأسمالي وإحلال نظامٍ اشتراكيٍّ “ليس ستالينياً بالتأكيد”، اعتماداً على تنظير هربرت ماركوزه في كتابه المرجعي “الإنسان ذو البعد الواحد”، مع استدعاء التحريض الذي قام به جي دي سالينغر برواية “الحارس في حقل الشوفان” بكل ما تحويه من روحٍ متمردةٍ وناقمةٍ على النظام الأبوي.

ملصق الفيلم

محاكمة النظام القائم

على الرغم من تناول الفيلم محاكمة قياديي المظاهرات، بما هي محاكمةٌ هندسها النائب العام جون ميتشيل (جون دومان) في ولاية الرئيس الجمهوري نيكسون الأولى، فإن آرون سوركِن كاتب ومخرج العمل يحاول جاداً عقد محاكمةٍ هزليةٍ للنظام القائم وقتذاك (ولربما اليوم كذلك)، خصوصاً عبر استدعاء سذاجة القاضي هوفمان وتحيّزه البدائي إلى السلطة الأبوية (المتمثلة في الدولة هنا)، إضافة إلى تسليط الضوء على مبررات جون ميتشيل لتوجيه التهم في القضية، انتقاماً من عدم احترام رامزي كلارك (توم كيتون) النائب العام الأسبق له. وهي أمورٌ يعبّر عنها آبي هوفمان عندما يردُّ على سؤال محامي الادعاء العام ريتشارد شولتز (جوزيف غوردون ليفيت) حول ما إذا كان يحتقر حكومته أم لا، حيث يقول آبي إنه يحترم المؤسسات الديمقراطية الموجودة في البلد، ولكنه لا يحتقر شيئاً أو أحداً أكثر من هذه الحكومة.

في سياقٍ ذي صلةٍ، يسلط الفيلم الضوء على إقحام بوبي سيل (يحيى عبدالمتين الثاني) أحد مؤسسي حزب الفهود السود بالمحاكمة، بحيث يصبح سيل ثامن المتهمين في القضية، مع عدم السماح له بالدفاع عن نفسه، وعدم وجود محامٍ للدفاع عنه، والأهم من كل هذا عدم وجود صلةٍ تربطه بأحداث العنف التي حصلت، بحكم مكوثه أربع ساعاتٍ فقط في شيكاغو وقت التظاهر. هذا الإقحام لا يدل إلا على نزعة هذا النظام العنصرية والمتطرّفة، خصوصاً تجاه وعيٍ أسود مُقاومٍ، جاء ليملأ الفراغ الذي تركته سلسلة الاغتيالات التي تعرض لها قادة السود، وعلى رأسهم مالكوم إكس ومارتن لوثر كينغ، والتي تعرض لها بالتزامن مع محاكمة سيل، أحد قياديي حزب الفهود السود فريد هامبتون، قبل أن يتم إلغاء ضم سيل إلى قائمة المتهمين في المحاكمة، بعد ضربه وتكميم فمه، بأوامر من القاضي (الأبوي) هوفمان.

فيلم “محاكمة السبعة في شيكاغو” بارقة ضوءٍ في عام كورونا الجاري، خصوصاً في ظلّ حُمَّى انتخابيةٍ لدى النظام القائم بأمريكا، وتحديداً في ظل تنامي مزاجٍ ناقمٍ على المؤسسات الديمقراطية ومخرجاتها، والتي فشلت عبر عقودٍ، في معالجة المشاكل الاجتماعية بأمريكا، جاعلةً منها تجربةً اجتماعيةً فاشلةً، على حد تعبير المفكر كورنيل ويست.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:opinions@arabicpost.net

Comments are closed.