هل صنعت إيران طائرة شبحية مثل “إف 35” الأمريكية؟

2

“قاهر-2” طائرة حربية تقول إيران إنها نموذج لطائرة شبحية، فهل تم إنتاجها بالفعل كما توحي طهران أم أنها خدعة دعائية كما فعلتها من قبل؟

لكن في كل الأحوال يبدو أن القصة أثارت الانتباه، فقد نشرت مجلة The National Interest الأمريكية تقريراً بعنوان: “إيران لن تتمكن من بناء طائرةٍ حربية مثل “إف 35” في أي وقت قريب”، أعده سيباستيان روبلين، كاتب حاصل على درجة الماجستير من جامعة جورج تاون الأمريكية، وعمل أستاذاً جامعياً في برنامج “هيئة السلام” التابع للحكومة الأمريكية في الصين.

إنجازات إيرانية في صناعة الطيران

تمتلك صناعة الطيران الإيرانية إنجازات يحق لها الافتخار بها، خاصة أن العمل عليها استمر في ظل عقوبات شديدة الوطأة لما يقرب من أربعين عاماً. فقد تمكنت إيران من الحفاظ على مقاتلات “إف 4 فانتوم” F-4 Phantom و”إف 41 توم كات” التي كانت قطعاً فنية لا تُضاهى في وقت من الأوقات، لتظل في حالة تشغيلية لعقود، ومنها تسع سنوات من المعارك الجوية المكثفة مع العراق، وكل ذلك على الرغم من حرمان الولايات المتحدة لها من قطع غيار تلك الطائرات وأجزائها الأصلية. كما تمكنت إيران من تجديد الهياكل الصدئة للمقاتلات القديمة من طراز “نورثروب إف 5” لتصبح مقاتلات “الصاعقة” [مقاتلات آذرخش الإيرانية] مزدوجة الرأس، التي قامت على الهندسة العكسية لمحركات “جيه 85” J85 التوربينية، بالإضافة إلى أنها أنشأت مجموعة متنوعة من الطائرات المسيّرة التي أثبتت صلاحيتها للدخول في الخدمة.

“قاهر 313”

ومع ذلك، فإن كل هذه الإنجازات غير المترابطة التي تتحقق بأقل الإمكانيات تقصر كثيراً عن بلوغ مستوى بناء أو تطوير مقاتلة شبحية عاملة. ويكفي القول إن روسيا، التي تمتلك صناعة طيران عسكرية تامة النضج، تخلت فعلياً عن المضي قدماً في تطوير برنامج المقاتلة الشبحية “سوخوي 57” Su-57 (على الأقل على المدى القصير) لأن النفقات والتحديات التقنية قد تبيّن أنها باهظة للغاية، وحتى الدول الأشد ثراء بكثير، مثل فرنسا وألمانيا والهند واليابان والمملكة المتحدة، لا تزال في المراحل الأولى من تطوير مقاتلاتها.

صور أقمار صناعية تكشف نقل إيران مجسماً لحاملة طائرات أمريكية/رويترز

على الرغم من ذلك، فإن طهران أرادت أن يُصدّق العالم أنها طورت بهدوء تام طائراتها الشبحية الخاصة في 2 فبراير/شباط 2013، وذلك عندما كشفت عن إحدى تلك المقاتلات ضمن احتفالات “عشرة الفجر” التي حضرها الرئيس الإيراني آنذاك، أحمدي نجاد.

ظهرت الطائرة “قاهر 313” في ذلك الوقت بوصفها طائرة بالغة الصغر قد تبدو مميزة في ميادين القتال. واحتفظت الطائرة بخصائص تصميمية مهمة من المقاتلة “نورثروب إف 5” الأمريكية، وإن استعانت بمثبتات رأسية رياضية الشكل على غرار الطائرات “إف 22 رابتور” F-22 Raptor، وذكّرتنا أجنحتها المنسدلة بالطائرة “ميج 17” MiG-17 السوفييتية، وأطراف الجناح المتدلية تشبه تصور “الطيور الجارحة” التي تخلت عنه طائرات “بوينغ”، وحظيت بأسطح جنيحية تشبه أجنحة الخفافيش: وهي مجموعة ثانية من الأجنحة بجوار قمرة القيادة.

ومع ذلك، لم تبدُ وكأنها مقاتلات يمكن أن تحلق بالفعل، كما يشير ديفيد سنيكوتي من موقع The Aviationist المتخصص في شؤون الطيران، في نقد مكثف لتحطيم أسطورة تلك الطائرة، وإليك بعض النقاط الرئيسية التي أوردها:

– قمرة القيادة في الطائرة صغيرة جداً، لدرجة أنها قد لا تكفي لاستيعاب شخص متوسط الطول، حيث يحتاج الأمر إلى قزم، أو سيضطر أي طيار عادي إلى ثني ركبتيه حتى يستطيع الجلوس في تلك القمرة. وبالمثل، فإن أنف الطائرة كان أصغر من أن يستوعب راداراً.

– لوحة التحكم في القمرة شديدة البساطة، وتُظهر إحدى الصور الواردة أن لوحة التحكم ذات إمكانات تقنية متدنية نسبياً، بدرجةٍ تشي بأنها مأخوذة من طائرة مدنية خفيفة. ويشير إلى ذلك أيضاً، أن الحد الأقصى لمؤشر سرعة الطيران هو 260 عقدة، وهو رقم يفوق بقليل نصف سرعة طائرة مدنية تحلق تحت سرعة الصوت.

– لا توجد فوهة دفع العادم الخاصة بالمحركات النفاثة، حيث تعمل فوهات العادم على عدم إذابة الطائرات النفاثة لنفسها عند استخدام الحارق اللاحق. علاوة على أن مداخل الهواء صغيرة جداً أيضاً.

– لا توجد فتحات أسلحة مرئية أو فتحات استشعار، حيث تحمل الطائرات الشبحية أسلحتها عموماً في فتحات داخلية للحفاظ على مقطع عرضي منخفض للرادار. ومع ذلك، فإن هذه الفتحات الداخلية أو حتى تجهيزات الأسلحة وأجهزة الاستشعار الخارجية كانت غائبة في الطائرة الإيرانية. كما زعمت إيران أن مقاتلة “قاهر” صغيرة الحجم يمكنها بطريقةٍ ما حمل قنبلتين تزنان ألفي رطل وستة صواريخ جو-جو، إلا أن هيكل الطائرة لم يكن به مساحة كافية لحمل هذه الذخيرة جميعاً.

– بدت الطائرة مصنوعة من البلاستيك اللامع، بدون مسامير تثبيت وبراغي، كما بدت المظلة الخاصة بقمرة القيادة كما لو أنها زجاج شبكي مركب وليس بها مزلاج.

مناورة للبحرية الإيرانية/رويترز

بعد ذلك، نشرت وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية مقطعَ فيديو يُفترض أنه يصور “قاهر” أثناء الطيران. لكن نظرة سريعة على اللقطات تُبيّن أنها نسخة تضاهي الأصل لكن أقل من الحجم الكامل وتحلق عن طريق التحكم عن بعد.

ثم اضطرت الحكومة الإيرانية، بعد جدل واعتراضات، إلى إيضاح الأمر بالقول إن هاتين هما في الواقع طائرتان اختباريتان مختلفتان من دون طيار.

بالإضافة إلى ذلك، تُظهر صورة مؤثرة أخرى المقاتلة “قاهر” وهي تحلق فوق خلفية جبلية، لكن تبيّن أن الصورة تم إنتاجها وتعديلها بلمسة سحرية ببرنامج “الفوتوشوب”.

باختصار، كانت قاهر نموذجاً بلاستيكياً يفتقر إلى أي إقناع ومصمم لأغراض دعائية محضة، ولم تلتفت إليها وسائل الإعلام الدولية إلا لانتقادها بوصفها مشروعاً للدعاية دون أساس حقيقي.

“قاهر 2”: يمكنها التحرك!

اختفت الطائرة الشبحية الافتراضية لعدة سنوات، فقط لتظهر في هيئة أكثر إقناعاً إلى حد ما في إبريل/نيسان 2017، عندما عُرض النموذج الأولي رقم “8” أمام الرئيس الإيراني روحاني، والتقطت صور لها حينها وهي تتجول على المدرج. هذه المرة، أقرت وسائل الإعلام الإيرانية بأن الطائرة لم تخضع بعدُ لاختبارات طيران.

تحتوي النسخة الجديدة الآن على قمرة قيادة يمكنها استيعاب طيار بكامل حجمه، ومحركين نفاثين مع فوهات عادم حتى لا تُذيب نفسها، وبرج استشعار بالأشعة تحت الحمراء تحت أنف الطائرة، وهو ما يمكن أن يجعله عملياً وإن كان من المحتمل أن يشوّش على المقطع العرضي الراداري. ويُعتقد أن المحركات النفاثة للطائرة هي من طراز “جيه 85 إس” J85s، وهي محركات أمريكية الصنع من خمسينيات القرن الماضي، وقد نجحت إيران في هندسته عكسياً. ويبلغ باع الجناح 11 متراً فقط، في حين يبلغ طوله 16 متراً.

ومع ذلك، لا يزال هيكل الطائرة غير التقليدي يبدو مليئاً بالعيوب في الديناميكية الهوائية للطائرة والبقع الساخنة العاكسة للرادار. علاوة على أن المحلل حاد البصر، جالين رايت، لاحظ أن ميكانيكياً إيرانياً قد رسم ضغط الإطارات في الطائرة “قاهر” على أنه 50 رطلاً لكل بوصة مربعة. ويشير هذا إلى أن النموذج الواقعي من الطائرة “قاهر” سيكون خفيفاً جداً، بحيث لا يمكن أن يصبح مقاتلة حقيقية قادرة على القيام بالمهام المفترضة.

قلق أمريكي وإسرائيلي من البرنامج الصاروخي الإيراني/رويترز

وفيما يتعلق بذلك أيضاً، يجدر القول إن الفكرة الواردة بأن نموذج الطائرة “قاهر” قد يكون يمتلك مقطعاً عرضياً رادارياً خفياً فكرةٌ مشكوك فيها، لأن إيران تفتقر على الأرجح إلى المواد اللازمة لامتصاص الانعكاس الراداري والتقنيات الهندسية الدقيقة اللازمة.

يجدر بالذكر أن “وكالة أنباء فارس” الإيرانية وصفت الطائرة “قاهر” الجديدة بأنها “طائرة لوجستية” (بغض النظر عما يعنيه ذلك، فمن الواضح أنها ليست طائرة شحن أو نقل معدات) و”طائرة مقاتلة للأغراض العسكرية والتدريبية”. ويشير هذا إلى أنه إذا مضت إيران قدماً في بناء الطائرة “قاهر”، فقد لا يكون الغرض منها هو الخدمة في الخطوط الأمامية. وربما تصبح بمثابة نموذج أولي، أو وسيلة لاختبار الكشف عن هيكل طائرة صعب الرصد والتتبع.

ومع ذلك، فقد تطرقت مصادر إيرانية أيضاً، على رأسها نائب وزير الدفاع، إلى ادعاء مثير للدهشة بأن الطائرة “قاهر” تمتلك القدرة على إسقاط طائرات الهليكوبتر، بناء على سلسلة من النظريات المختزلة. وتشير إحدى تلك النظريات إلى أن التهديد الذي تشكله أسراب الزوارق البخارية الإيرانية المسلحة بصواريخ مضادة للسفن تهديدٌ كبير، لدرجة أن البحرية الأمريكية ستعتمد على طائرات الهليكوبتر الهجومية لتدميرها. ومع ذلك، فإن هذه الطائرات يمكن للمقاتلات إسقاطها بسهولة، ما دامت تلك المقاتلات شبحية بما يكفي للهرب من صواريخ السفن من نوع سطح-جو، كما يذهب المنطق الطبيعي للأمور.

 القصة معقدة.. ولكن!

قد تصمم إيران في نهاية المطاف طائرةً نفاثة حقيقية تشبه النماذج التي جرى تصويرها على أنها مقاتلات حقيقية، ومع ذلك، فإن في تلك الطائرات المفترضة ستكون مثل هذه الطائرة مجرد طائرات اختبار ونماذج للعرض. فالآن، يمكن لأي أحد أن يرجع إلى تجربة الولايات المتحدة والصين وروسيا لتبيُّن ما يترتب عليه أن يكون لديك برنامج خاص بمقاتلة شبحية حقيقية. وبالمقارنة، لا تبدو مساعي إيران ذات مصداقية. كما يجب أن نتذكر هنا أنه في عام 2003، كشفت إيران النقاب عن طائرة شبحية وهمية أكثر إقناعاً وتحت سرعة الصوت تسمى “شفق”، وكُشف بعد ذلك في عام 2014 أنها عبارة عن نموذج مصنوع من الخشب.

بالتأكيد، لدى إيران أسبابها لكي تسعى بجدية للحصول على مقاتلة شبحية، فهي تخشى هجوماً من إسرائيل أو الولايات المتحدة، وكلتاهما تمتلك أقوى الأسلحة الجوية على هذا الكوكب. علاوة على أن إيران تتنافس على الهيمنة الإقليمية مع دول عربية عديدة مجهزة ببذخ بمقاتلات من طراز “إف 15″ و”إف 16” الأمريكية من الجيل الرابع والرابع ونصف، ومقاتلات “تايفون” Typhoon الأوروبية و”رافال” Rafale الفرنسية.

لكن، ومع كل ذلك، فإن محاولة تطوير طائرة شبحية عاملة من الصفر ربما تكون الحل الأغلى ثمناً والأقل عملية لمواجهة تلك التحديات. وفي الوقت نفسه، فإن ميل طهران إلى اختلاق أدلة على قدراتها العسكرية يمكن دحضها بسهولة، تشهد عليها دولة الثورة الدائمة بانعدام الأمن.

Comments are closed.