هل نجرؤ على أن نحلم بفوز بايدن الآن؟

4

يتصل بي صديقٌ ليقول لي إنه يرى أحلاماً مقلقةً تتعلق بدونالد ترامب. صديقٌ آخر، وهو رجلٌ منطقيٌّ للغاية وذو بصيرةٍ نافذةٍ، يقول لي إنه وجد نفسه يدعو لفوز جو بايدن. بينما يبلغني ثالثٌ بأنه صار يتفقد موقع fivethirtyeight.com لاستطلاعات الرأي في ظلمة الليل، وأحياناً مرتين في الليلة.

لا يعيش أحد من هؤلاء الناس في الولايات المتحدة الأمريكية، ولا يحمل أيٌّ منهم الجنسية الأمريكية حتى. بل والأدهى أن أياً منهم ليس عصابياً أو يعاني من اضطراب عصبي. لكن شيئاً ما بخصوص انتخابات الرئاسة الأمريكية، التي تبعد ما يزيد قليلاً على الأسبوع، يسبب للناس التوتر. وجدت دراسة أجرتها الجمعية الأمريكية لعلم النفس أن أكثر من ثلثي الأمريكيين البالغين يصفون الوضع الراهن بأنه “مصدر كبير للتوتر في حياتهم”، وأن القلق ينتشر في العالم كله.

ولا أظن أن المناظرة الثانية والنهائية التي جرت الجمعة 23 أكتوبر/تشرين الأول الجاري وأذيعت في التلفاز ساعدت في تحسين الوضع. متأخراً في استطلاعات الرأي، كان ترامب هو من احتاج للحظة يقلب فيها السباق، لكنه لم يجد واحدة. لكن أداءه، على الجانب الآخر كان أفضل من أدائه في المناظرة الأولى، ولو أنه أبقى سيل الأكاذيب كما هو، لكنه كان يلقي الأكاذيب بالمزيد من ضبط النفس، متيحاً للمعلقين أن يعتبروا أن تلك المواجهة انتهت بالتعادل، إلى حدٍّ ما. ما يعني أننا عدنا إلى المربع صفر، بنفس المخاوف السابقة.

أما فئة النقاد فلديهم المزيد من المخاوف. قالت كايسي هانت، مذيعة MSNBC، مخاطبة زملاءها في التلفزيون يوم الخميس 22 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، إن أياً من المرشحين لم يجرؤ على البوح بما يجول في خاطره حقاً؛ لأننا “لا نزال جميعاً مصدومين مما جرى في 2016”. ولو أنهما لم يتضررا كثيراً من خطأ افتراض أن هيلاري كلينتون كانت على وشك الفوز منذ أربع سنوات، لقالا صراحةً ما أظنه كايسي جلياً، وهو أن كل المؤشرات تشير إلى فوزٍ سهلٍ لبايدن في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني القادم.

لكل ذلك، أنا أيضاً في نفس المعسكر مع أصدقائي المتوترين، أجوب صفحات الأخبار في أوقات عجيبة. وأعترف بأن أغلب ذلك تخريف لا يربطه الكثير بالمنطق. لكن بعد الذي حصل في المرة السابقة، وبوجود الكثير على المحك، ليس بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فقط، بل للعالم بأسره، فالأمر يندرج تحت تصنيف يمكننا تسميته اللامنطقية المبررة.

ولعل سبب الخوف هو تحذيرات خبير استطلاعات الرأي نيت سيلفر، التي تنبأت بأن ترامب لديه فرصة في الفوز تبلغ 12% فقط، ولكن “12% ليست صفراً”. او لعله حقيقة أن الجمهوريين في الولايات الرئيسية قد “اكتسحوا الديمقراطيين في إضافة أصوات جديدة” وفقاً لتحليل أحد الخبراء.

يبرز ذلك احتمالية أنه في حين يخسر ترامب بين النساء وأصحاب البشرة الملونة وحاملي الشهادات الجامعية، فإنه يوسع شريحة الناخبين الذين لطالما أحبوه: الذكور البيض خصوصاً في المناطق الريفية. افترض خبراء الأرقام أنه قد حصل على كل ما يمكنه الحصول عليه من تلك الشريحة عام 2016، لكن ماذا لو أن هناك المزيد مما يمكنه الحصول عليه من هناك؟ في الوقت نفسه تنشر صحيفة Washington Post الأمريكية تقريراً يقول إن حملة ترامب يديرون عملية “دعوات ضخمة للخروج للتصويت” في الولايات الرئيسية و”بجهود تطوعية ضخمة كانت موجودة على الأرض قبل حملة بايدن بوقت طويل”.

يمكنني أن أتابع السير في ذلك المسار، لكن إليك التخوفين الرئيسيين الأبرز: الأول، أن التفوق ببضع نقاط في استطلاع للرأي في الولايات الحاسمة ليس كافياً لبايدن. إن قمع الناخبين -التقليل المتعمد للإقبال في المناطق الديمقراطية، خاصة بين السود والأقليات الأمريكية- راسخ بعمق. شهد هذا الشهر، أكتوبر/تشرين الأول، وقوف الناخبين في طوابير 11 ساعةً للإدلاء بأصواتهم، ولن يكون هناك مفر من ذلك في الضواحي التي يقطنها السود؛ إذ إنها تضم لجاناً انتخابيةً أقل. ما يعني أن الرغبة في التصويت لبايدن لا تعني القدرة على التصويت له بالفعل.

الأدهى من ذلك أن ملايين الأمريكيين سيصوتون لبايدن عبر البريد الإلكتروني، ولا يزال التصويت البريدي ترفض منه أصوات أكثر بكثير من التصويت التقليدي، فيمكن اعتبار الصوت باطلاً لأن المصوت لم يستخدم الظرف المناسب، أو لأن توقيعه لم يطابق توقيعه على الملف، أو لأن تصويته وصل متأخراً. ويمكن أن تصل الدعاوى القضائية حيال أي الأصوات تقبل وأيها يرفض إلى المحكمة الدستورية العليا. ويشهد الأسبوع القادم تأدية مرشحة ترامب لعضوية المحكمة الدستورية العليا إيمي كوني باريت اليمين، في الوقت المناسب للسماح للجمهوريين بالفوز في هذه القضايا المتعلقة بالانتخابات بأغلبية 5 إلى 4 على الأقل.

ويبرز التخوف الثاني من ذكريات 2016. في مؤتمر الجمهوريين في كليفلاند ذلك العام سمعت كليات كونواي تتوقع أن يحصل ترامب على نتائج أفضل من المتوقع له؛ لأن العديد من المصوتين لم يقولوا الحقيقة في استطلاعات الرأي؛ لأن دعم ترامب لم يكن “مقبولاً اجتماعياً”، لذلك أبقى المصوتون على نواياهم سريةً. وبالنظر إلى كل ما قاله وفعله منذ ذلك الوقت، فلا شك أن دعمه أصبح أكثر إثارةً للاستهجان، في بعض الدوائر على الأقل. فهل يمكن أن تكون استطلاعات الرأي قد فوتت بعض الجمهوريين الخجولين، بمن فيهم أولئك الذين يحتاجون لمبرر ليصوتوا لترامب ولعلهم وجدوه في أدائه المتزن نسبياً في مناظرة الأمس؟

في المقابل، اعلم يقيناً، أن العديد من المؤشرات تصب في صالح بايدن. هو متقدمٌ بفارق كبير لدرجة أنه حتى لو كانت استطلاعات الرأي فاسدة فسيظل رابحاً. وهو متقدم في الولايات الأكثر أهمية. وصحيح أن هيلاري كانت متقدمة في 2016 أيضاً، لكن تقدمها كان أقل ثباتاً، بعكس بايدن. تخوض حملته الانتخابية حرباً مالية ضخمة، متمكنين من التفوق على حملة ترامب في الإعلانات التلفزيونية في هذه الجولة الأخيرة.

وفوق كل شيء فهذا ليس عام 2016، وقد بات ترامب معروفاً، وبايدن ليس الشخصية الاستقطابية التي كانت عليها هيلاري. يعتبر أغلب الأمريكيين جو بايدن آمناً وغير خطير ولائقاً بشكل أساسي (لذلك كان الديمقراطيون موفقين في اختياره).

تلك كلها أسباب تدعو للتفاؤل والتأهب لفوز بايدن. المشكلة أن الانتخابات ليست منطقية. فهي تتضمن مخاوف وآمال، وتؤثر على مستقبلنا ومصيرنا. لذلك تتسلل إلى أحلامنا.

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. 

Comments are closed.